محمود المناعي يكتب | جيل الثمانينات.. رحلة مصرية
في القاهرة قبل عقدين من الزمان، كان المشهد موحدًا: حافلات هيئة النقل العام المزدحمة التي لا تكاد تغلق أبوابها من كثرة الركاب، وسيارات الأجرة ذات اللونين الأبيض والأسود، أيقونة الشارع المصري التي عرفها جيل الثمانينات منذ نعومة أظفاره. كانت تلك السيارات القديمة – غالبًا من طراز “فيات” و”لادا” – تملأ الشوارع الضيقة، وسائقوها يعرفون كل شارع فرعي عن ظهر قلب. الزحام كان طقسًا صباحيًا لا مفر منه، والمواصلات روتين شاق يبدأ مع الشمس ولا ينتهي إلا بالعودة المسائية، لكن الجيل اعتاد المشقة بصبر.
في عام 2006، ظهر التاكسي الأبيض بالكامل تحت مسمى “تاكسي العاصمة”، محاولة لتحديث القطاع بسيارات مكيفة وعدادات إلكترونية، لكنه كان حلمًا لم يكتمل، إذ ظل المواطنون يتشبثون بالأسود والأبيض القديم لتسعيرته الأقل، حتى تلاشى تدريجيًا مع تعاقب السنوات.
أما اليوم، فيقف جيل الثمانينات نفسه مندهشًا أمام ثورة حقيقية. شبكة الطرق امتدت من 23.5 ألف كيلومتر إلى أكثر من 31 ألفًا، ومحاور جديدة شقت النيل، وطرق دائرية وإقليمية ربطت العاصمة بمحيطها. أتوبيسات كهربائية تعمل بالغاز الطبيعي، ومونوريل وقطار كهربائي خفيف يضعان مصر في مصاف الدول المتقدمة. أصبح التنقل تجربة تواكب العصر، اختصرت المسافات، وفتحت آفاقًا عمرانية وسياحية.
وهذه الطفرة أنقذت المصريين من جحيم الوقود والوقت الضائع، كما أصبحت شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمارات. فطريق العين السخنة – العاصمة الإدارية فتح المجال لمجمع صناعي متكامل بأكثر من 120 مليون دولار، ومحور 26 يوليو استقطب مناطق استثمارية وتجارية كبرى، والطريق الدائري الأوسطي أصبح وجهة للمشروعات العقارية والفاخرة. والأهم، مدينة الروبيكي للغزل والنسيج، التي ربطتها شبكة طرق ومحاور جديدة بمدينة العاشر من رمضان وخط سكة حديد ممول من فرنسا بـ 70 مليون يورو، مما يسهل حركة البضائع ويخفض التكاليف اللوجستية، ويجعلها قبلة للاستثمارات المحلية والأجنبية في قطاع النسيج.
هذا النموذج ليس مصريًا فحسب، بل هو درب سارت عليه دول كبرى؛ فالصين وألمانيا والإمارات بنت نهضتها على بنية تحتية عملاقة. واليوم تستضيف مصر أكثر من 1500 شركة ألمانية باستثمارات 4.9 مليار دولار، بينها هايدلبرج ماتريالز التي تدير مصنع حلوان للأسمنت، وألفي شركة صينية باستثمارات 8 مليارات دولار، آخرها لينج لونج للإطارات بـ 2 مليار دولار.
جيل الثمانينات، الذي كان يركب التاكسي الأبيض والأسود في شوارع ضيقة، يرى اليوم كيف تحولت معاناة الأمس إلى فرصة تنموية، وكيف أن كل كيلومتر من الطرق الجديدة هو استثمار في مستقبل مصر.