نرمين مصطفى تكتب | مصر والصين.. شراكة في عالم متغير
تحمل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة في الأول والثاني من سبتمبر 2026 دلالات سياسية وجيوسياسية بالغة الأهمية؛ فهي لا تأتي فقط تخليداً لمرور سبعين عاماً على تدشين العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين في عام 1956 ــ كأول تدشين رسمى دبلوماسي صيني في الفضائين العربي والأفريقي ــ بل تأتي في توقيت يشهد فيه النظام الدولي مخاضاً لإعادة تشكيل دوائر النفوذ والتوازن، وتمر فيه منطقة الشرق الأوسط بمنعطف أمني وتاريخي حرج.
إن الدبلوماسية المصرية والصينية تدركان بدقة طبيعة التداخل بين المصالح الاستراتيجية لكلتيهما؛ فمصر، بثقلها السياسي وموقعها الجيوبولوتيكي الفريد كحلقة وصل بين ثلاث قارات والمتحكمة في شريان التجارة العالمي “قناة السويس”، تمثل حجر الزاوية في الرؤية الصينية الطموحة المتمثلة في مبادرة “الحزام والطريق”. وفي المقابل، ترى القاهرة في بكين شريكاً دولياً موثوقاً وقوة اقتصادية وتكنولوجية عظمى قادرة على دعم خطط التنمية الشاملة “رؤية مصر 2030” دون مشروطية سياسية، وضمن إطار راسخ من الاحترام المتبادل لسيادة الدول.
وقد تجلت هذه الرؤية المشتركة في مخرجات الزيارة الأخيرة، والتي تجاوزت الطابع البروتوكولي لتنتقل إلى آفاق عملية بامتياز، تكللت بتوقيع نحو 25 اتفاقية ومذكرة تفاهم غطت قطاعات حيوية متطورة؛ أبرزها الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وتوطين الصناعات المتقدمة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. هذا التحول الاستراتيجي يعكس رغبة البلدين في الانتقال بالروابط الاقتصادية من مفهوم “التبادل التجاري” التقليدي إلى “الشراكة الاستثمارية والصناعية المستدامة” التي تخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المصري.
ونجد، أن البعد الأعمق لهذه الزيارة يكمن في الشق السياسي والأمني؛ ففي ظل بيئة إقليمية مضطربة وتنافس مستمر بين القوى الكبرى، قدمت القاهرة وبكين نموذجاً للتنسيق الدبلوماسي رفيع المستوى. وقد حملت الدعوة الصينية من قلب العاصمة المصرية لبلورة “إطار أمني جديد للشرق الأوسط” رسالة بالغة الأهمية مفادها أن حل أزمات المنطقة يجب أن ينبع من إرادة قواها الإقليمية وصياغة توازنات عادلة، بعيداً عن سياسات المحاور والتدخلات الخارجية.
لم تعد الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والصين اليوم مجرد تحالف ثنائي لخدمة مصالح اقتصادية، بل باتت ركيزة دبلومسية أساسية تساهم في تعزيز التعددية القطبية، وتدعم بناء نظام دولي أكثر توازناً وإنصافاً، يعلي من قيم التنمية والأمن المشترك كسبيل وحيد لتحقيق الاستقرار العالمي.