هنا ياسر احمد تككتب | بين العمل المجتمعي والسياسي
يمثل العمل المجتمعي والعمل السياسي مساحتين متكاملتين للتأثير في المجتمع، رغم ما بينهما من اختلافات جوهرية ينبغي إدراكها. فهما لا يتعارضان، كما يظن البعض، بل يكمل أحدهما الآخر، ويشكلان معًا أساسًا لأي تغيير حقيقي ومستدام.
ينطلق العمل المجتمعي من الناس وإليهم، فهو يقوم على التفاعل المباشر مع قضايا المجتمع ومحاولة معالجتها من خلال المبادرات والجهود التطوعية، سواء في دعم العملية التعليمية، أو مساندة الأسر الأكثر احتياجًا، أو تنظيم حملات التوعية، وغيرها من الأنشطة التي تسهم في تحسين حياة الأفراد. ويتميز هذا النوع من العمل بأن أثره يكون مباشرًا وملموسًا، إذ يمكن رؤية نتائجه على أرض الواقع، كما يسهم في بناء جسور الثقة بين القائمين عليه والمجتمع.
أما العمل السياسي، فيتحرك في نطاق أوسع، إذ يركز على تطوير السياسات العامة والتشريعات والقرارات التي تنظم حياة المواطنين. فبدلًا من معالجة المشكلات بعد وقوعها، يسعى إلى معالجة أسبابها ووضع حلول مؤسسية تمنع تكرارها. ولذلك يتطلب العمل السياسي قدرًا كبيرًا من الوعي، والصبر، والقدرة على اتخاذ قرارات قد تكون صعبة، لكنها تترك أثرًا يمتد إلى شرائح واسعة من المجتمع.
ومن هنا، تبدو خطورة الفصل بين المجالين؛ فالعمل المجتمعي، إذا افتقد الرؤية السياسية، قد يظل محصورًا في تقديم حلول جزئية أو مؤقتة، بينما تصبح السياسة، إذا انفصلت عن المجتمع واحتياجاته الحقيقية، بعيدة عن الواقع وغير قادرة على الاستجابة لتحدياته.
لذلك، فإن الشباب مطالبون اليوم بالجمع بين العمل المجتمعي والعمل السياسي، فيبدأون من الميدان، فيستمعون إلى الناس، ويفهمون احتياجاتهم، ويكتسبون خبرة حقيقية بقضايا المجتمع، ثم ينقلون هذه الخبرات إلى دوائر صنع القرار، بما يسهم في تطوير السياسات والمشاركة الفاعلة في بناء المستقبل. وعندئذ يصبح التأثير أكثر عمقًا واستدامة.
وفي النهاية، لا تكمن الأهمية في اختيار أحد الطريقين وإقصاء الآخر، بل في إدراك طبيعة كل منهما، وكيفية توظيفهما معًا لتحقيق الصالح العام. فالتغيير الكبير يبدأ دائمًا بخطوة صغيرة، ولكنها خطوة واعية، تنطلق من فهم الواقع، وتسعى إلى تغييره.