ياسر حجازي يكتب | العدالة الاجتماعية من منظور اقتصادي
مبادرات الحد من الهدر الغذائي كنموذج
لطالما ساد في الأدبيات التقليدية أن العدالة الاجتماعية هي مجرد فعل خيري أو واجب أخلاقي
يقع على عاتق الدول تجاه الفئات الأكثر احتياجاً. إلا أن القراءة العميقة
لاقتصاديات الدول الناشئة تؤكد أن العدالة الاجتماعية هي في جوهرها “معادلة
اقتصادية” تهدف إلى تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة وتقليل الفواقد التي
تنزف من ميزانية الدولة والمواطن على حد سواء. إننا اليوم أمام تحدٍ عالمي يفرض
علينا إعادة تعريف العدالة لتصبح “استدامة الموارد” و”كفاءة
التوزيع”، ومن هنا تبرز قضية الهدر الغذائي ليس كأزمة إنسانية فحسب، بل كخلل
اقتصادي جسيم يتطلب تدخلاً احترافياً.
إن
الأرقام المرتبطة بالهدر الغذائي تثير الدهشة؛ فبينما يعاني العالم من تضخم في
أسعار السلع الأساسية وفجوات في سلاسل الإمداد، تُهدر ملايين الأطنان من الغذاء
سنوياً. هذا الهدر لا يمثل ضياعاً للغذاء فقط، بل هو ضياع لكافة الموارد التي دخلت
في إنتاجه من مياه، وطاقة، وعمالة، ونقل. ومن هنا، فإن أي مبادرة تهدف للحد من هذا
الهدر هي في الواقع مبادرة لتعزيز “الاقتصاد الدائري” وتحقيق توازن في
العرض والطلب. إننا في العمل العام، حين نتصدى لهذه القضايا، لا نتحرك بدافع
العاطفة فقط، بل بدافع الحفاظ على الأمن القومي الغذائي وتخفيف الضغط على العملة
الصعبة التي تُستنزف في استيراد سلع ينتهي جزء كبير منها في سلال المهملات.
وعندما
نتأمل تجربة مبادرة “رمضان بلا هدر” التي أطلقناها، نجد أنها لم تكن مجرد حملة لتوزيع
الوجبات، بل كانت محاولة جادة لتقديم نموذج “هندسي” في إدارة الأزمات
المجتمعية. لقد سعينا من خلالها إلى بناء جسر بين “مناطق الوفرة”
(كالمطاعم والفنادق والمنشآت السياحية) وبين “مناطق الاحتياج”، وذلك عبر
هيكل تنظيمي يعتمد على الدقة والسرعة في التنفيذ. إن هذا النوع من العمل يحول
الكيانات الشبابية إلى “وحدات دعم لوجستي” للدولة، حيث يتم تطبيق مفاهيم
الإدارة الحديثة، مثل تحسين سلاسل الإمداد وتقليل التكلفة الهامشية، في سبيل تحقيق
غاية مجتمعية سامية.
إن
الربط بين الاقتصاد والعدالة الاجتماعية يتطلب منا كشباب فاعل أن نغير نظرة
المجتمع للعمل التطوعي؛ فالمتطوع في هذا الملف هو “محلل بيانات”
و”منسق لوجستي” يسهم في حماية ثروة وطنية. إن تقليل الهدر بنسبة ضئيلة
قد يعني توفير مليارات الجنيهات التي يمكن توجيهها للاستثمار في التعليم أو الصحة.
إنها دائرة متصلة، حيث يؤدي الانضباط الاقتصادي إلى استقرار اجتماعي، ويؤدي
الاستقرار الاجتماعي بدوره إلى بيئة خصبة للنمو والإنتاج.
الخاتمة إنني أؤمن يقيناً، أن طريقنا نحو “الجمهورية الجديدة” يتطلب منا
شجاعة في طرح الحلول غير التقليدية. إن العدالة الاجتماعية التي نصبو إليها هي تلك
التي تجعل من كل مواطن شريكاً في الحفاظ على مقدرات الوطن، وهي التي تحول
“الفقد” إلى “فرصة”، و”الهدر” إلى
“تنمية”. إن دورنا اليوم كشباب تكنوقراط هو أن نبرهن للعالم أن مصر
قادرة بعقول أبنائها على صياغة نموذج اقتصادي فريد، يدمج بين كفاءة الإدارة
الهندسيّة وبين نبل الغاية المجتمعية، لنبني وطناً لا يضيع فيه حق، ولا يُهدر فيه
مورد، ويكون فيه الإنسان هو المحور والهدف الأسمى لكل خطة اقتصادية