د. رامي جلال يكتب | الثقافة.. جنة المدعين!

0

من المفارقات اللافتة في الحياة العامة بمصر أن المجال الثقافي، الذي يفترض أن يكون ساحة للمعرفة العميقة والإبداع الحقيقي، تحول في كثير من الأحيان إلى ما يشبه “الملاذ الآمن” لعدد كبير من المدّعين. فبينما تتطلب مجالات أخرى، كالسياسة أو الاقتصاد أو العلوم التطبيقية، حدًا أدنى من التخصص والخبرة والاختبار العملي، تبدو الثقافة بالنسبة للبعض مجالًا مفتوحًا يمكن دخوله بسهولة، بل ويمكن ادعاء السيادة فيه دون مساءلة تُذكر.
ليس من الصعب أن نلاحظ أن المجال الثقافي يضم أعدادًا كبيرة من أرباع المتعلمين، بل وأحيانًا محدودي الموهبة والمعرفة، الذين يتقمصون بسهولة دور “المثقف”. يكفي أن يتسلح أحدهم ببعض المصطلحات الثقيلة، أو أن يقتبس جملة من فيلسوف أوروبي هنا، وفقرة من كاتب عربي هناك، حتى يبدو وكأنه يمتلك مشروعًا فكريًا متماسكًا. غير أن هذا الخطاب، الذي يبدو للوهلة الأولى عميقًا، غالبًا ما يخفي وراءه فقرًا معرفيًا واضحًا؛ إذ إن كثافة الألفاظ لا تعوض غياب الفكرة، كما أن غموض التعبير لا يصنع عمقًا فكريًا حقيقيًا.
من الظواهر التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق انتشار انتحال الصفات الأكاديمية. فليس قليلًا أن نصادف أشخاصًا يقدمون أنفسهم بوصفهم “دكاترة” دون أن يكونوا قد حصلوا على هذه الدرجة أصلًا، أو يلوذون بشهادات صادرة عن مؤسسات وهمية لا وجود لها في العالم الأكاديمي الحقيقي. بل إن بعض من يحملون بالفعل درجات علمية عليا لم يقدموا عبرها أي إضافة معرفية تُذكر، إذ جاءت أعمالهم مجرد إعادة إنتاج لما كتبه الآخرون، دون اجتهاد حقيقي أو إسهام أصيل.
المشكلة، مع ذلك، لا تكمن فقط في ظاهرة الادعاء الفردي، بل في البيئة العامة التي تسمح له بالانتشار. فالمفارقة أن بعض من يطلقون على أنفسهم لقب “مثقف” لا يمتلكون معرفة حقيقية بالحقول الأساسية للثقافة نفسها: لا بالتاريخ الثقافي، ولا بالإدارة الثقافية، ولا بالاقتصاد الثقافي، ولا بالسياسات الثقافية. ومع ذلك يتحدثون بثقة مدهشة في كل هذه المجالات، ويصدرون أحكامًا نهائية حول المجتمع والدولة والعالم.
للأسف، فإن الأمر لا يقف عند حدود الظهور الإعلامي أو النشاط الخطابي، بل إن بعض هؤلاء يجد طريقه أحيانًا إلى مواقع القيادة في المؤسسات الثقافية. وهذه الظاهرة ليست مجرد مفارقة عابرة، بل هي في أحد أوجهها تعبير عن عملية تجريف أوسع طالت الحياة العامة في بلادنا خلال عقود طويلة، كما أنها تعكس رؤية لا ترى في الثقافة مجالًا استراتيجيًا حقيقيًا، بل نشاطًا هامشيًا يمكن إدارته بأي شخص.
غير أن الثقافة، في حقيقتها، ليست ترفًا ولا زينة للحياة العامة، لكنها أحد خطوط الدفاع الأساسية عن المجتمع، لأنها المجال الذي يبني الهوية، ويُشكل منظومة القيم، ويُكون الوعي الجمعي القادر على مواجهة التطرف أو التفكك أو الاستلاب الثقافي. وحين يُترك هذا المجال نهبًا للادعاء والسطحية، فإن المجتمع يدفع ثمنًا باهظًا على المدى الطويل.
من أكثر المظاهر غرابة أن بعض الأشخاص الذين يعلنون أنفسهم “مثقفين” لم يمارسوا طوال حياتهم أي نشاط فكري جاد، ولم ينخرطوا في قراءة منهجية أو بحث معرفي منظم. بل إن بعضهم لم يقرأ في حياته سوى القليل، ثم يظهر فجأة في المجال العام ليعلن ببساطة: “أنا مثقف”. وكأن الثقافة لقب يُمنح بقرار شخصي، لا ثمرة مسار طويل من التعلم والتراكم المعرفي.
الحقيقة أن الثقافة عملية تراكمية تبدأ مبكرًا في حياة الإنسان، فهي نتاج سنوات طويلة من القراءة والتأمل والتجربة الفكرية، وليست قناعًا يمكن ارتداؤه بين ليلة وضحاها. ولذلك فإن الادعاء، مهما بدا براقًا في لحظة ما، يظل في نهاية المطاف هشًا أمام اختبار الزمن.
الجميل في المجال الثقافي، رغم كل ما يمكن أن يعتريه من ضجيج الادعاء، أنه يمتلك في داخله آلية طبيعية للفرز. فقد يتحمل المجال العام لبعض الوقت وجود الكثير من الأصوات الزائفة، لكن التجربة كفيلة بكشفها تدريجيًا. فالمدّعي يمكن أن ينجح مؤقتًا في صناعة صورة لنفسه، لكنه لا يستطيع أن يحافظ عليها طويلًا في غياب المعرفة الحقيقية.
في النهاية تبقى الحقيقة البسيطة التي عرفها التاريخ الفكري في كل زمان ومكان هي أنه قد يختلط الصوت الحقيقي بضجيج الادعاء لبعض الوقت، لكن في لحظة ما.. لا يصح إلا الصحيح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.