إيمان طلعت تكتب | نزاع الأطراف وحماية الطفل

0

ينطلق قانون الأحوال الشخصية في جوهره من تنظيم العلاقات الأسرية بما ينشأ عنها من حقوق والتزامات، في إطار يُفترض أن يقوم على الاستقرار والمودة، لتُثمر في النهاية كيانًا هام هو “الأسرة”، التي يُعد الطفل حجر الأساس فيها وغايتها الأسمى.
لكن حينما تتعثر هذه العلاقة، وتتصاعد الخلافات بين الزوج والزوجة، لا تتوقف آثارها عند حدود الطرفين، بل تمتد لتصيب هذا الكيان في عمقه، ويكون الطفل هو المتأثر الأول والأبقى.
الحقيقة أن معركة “الزوج أم الزوجة” لم تكن يومًا الحل، ولم تُنتج استقرارًا حقيقيًا. فالقانون الذى ننتظره ذاك الذي يُعيد ترتيب الأولويات، واضعًا المصلحة الفضلى للطفل في صدارة المشهد.
نحن لا نحتاج إلى قانون يُنصف طرفًا ضد آخر، بقدر ما نحتاج إلى قانون يُنصف الطفل أولًا، ويراعي مصلحته الفضلى باعتباره أساس المجتمع ونواته الحقيقية. فكل طفل سوي نُحسن تربيته ورعايته اليوم، هو مجتمع أكثر توازنًا واستقرارًا نصنعه في الغد.
ومن هنا، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا نريد فعليًا من قانون الأحوال الشخصية؟
نريد قانونًا لا يكتفي بتنظيم العلاقات بعد انهيارها، بل يُحسن إدارة آثار هذا الانهيار، ويضع إطارًا واضحًا وعادلًا يضمن حماية الطفل، ويمنع تحوّل النزاعات الأسرية إلى معارك ممتدة يدفع ثمنها الأبناء.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مجموعة من الآليات والإجراءات المنظمة التي يمكن أن تُسهم في تطوير قانون الأحوال الشخصية، بما يحقق السرعة في الفصل ويحد من النزاعات المتكررة.
فمع اندلاع الخلاف بين الزوج والزوجة، تبدأ الإشكاليات العملية في الظهور داخل محاكم الأسرة، خاصة فيما يتعلق بتحديد الحقوق والالتزامات المتبادلة، سواء ما يرتبط بنفقات الطفل والرؤية أو حقوق الزوجة. وتُعد مسألة النفقة من أولى نقاط التعقيد، حيث تكثر فيها الاجراءات وتكرر، بما يؤدي في كثير من الأحيان إلى بطء الإجراءات وتباين الأحكام.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى وجود ملف متكامل وقائمة واضحة لإجراءات ما بعد الطلاق، تُنظم مسار التقاضي وتُحدد بشكل دقيق الخطوات التي يجب على الطرفين اتباعها، بدءًا من دعاوى النفقة والحضانة وصولًا إلى تنظيم الرؤية والاستضافة، بما يُسهم في توحيد جهة التعامل وتقليل التداخل بين الاختصاصات، ومن ثم تسريع وتيرة الفصل في النزاعات.
وفي هذا الإطار، يتسق هذا التوجه مع المعايير الدولية التي تؤكد على أن المصلحة الفضلى للطفل يجب أن تكون الاعتبار الأول في كافة الإجراءات والتشريعات المتعلقة به، وهو ما كرّسته اتفاقية حقوق الطفل، التي دعت إلى تبسيط الإجراءات القضائية، وضمان سرعة الفصل في المنازعات، وتوفير بيئة قانونية تحمي الطفل من آثار النزاعات الأسرية.
وانطلاقًا من ذلك، تزداد أهمية اعتماد نموذج موحد للنفقة ضمن هذا الملف الشامل، من خلال صياغة قانونية مبسطة ومعتمدة لدى جميع الجهات الرسمية، بما يضمن سهولة التنفيذ وسرعة استيفاء الحقوق، مع ضرورة تضمين آليات مرنة تسمح بمراجعة قيمة النفقة وتحديثها بشكل دوري، وفقًا للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وبما يحقق التوازن بين التزامات الأطراف واحتياجات الطفل.
كما يظل تنظيم مسألة الاستضافة أحد المحاور الجوهرية التي تتطلب ضبطًا تشريعيًا دقيقًا، من خلال إخضاعها لرقابة مباشرة، بحيث تتم في أماكن محددة وتحت إشراف الجهات المختصة، بما يضمن حماية الطفل والحفاظ على استقراره النفسي والاجتماعي.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى ضرورة تبني آليات تنفيذ حاسمة تضمن فاعلية الأحكام الصادرة وعدم تحولها إلى مجرد نصوص معطلة. فغياب التنفيذ الفوري والملزم يفتح الباب أمام تكرار النزاعات وعودة الخصومة من جديد، وهو ما يُفرغ التدخل القضائي من مضمونه ويُطيل أمد الصراع بين الأطراف.
ومن ثم، تبرز أهمية إقرار نصوص واضحة تجرّم الممارسات التي تعرقل تنفيذ الأحكام، وعلى رأسها الامتناع عن سداد النفقة، أو منع الرؤية والاستضافة، أو احتجاز الطفل دون سند قانوني، مع توقيع جزاءات رادعة تضمن الالتزام وتحد من التحايل على القانون.
كما يصبح من الضروري تفعيل آليات رقابية وتنفيذية أكثر كفاءة، تُمكّن الجهات المختصة من متابعة تنفيذ الأحكام بشكل دوري ومنضبط، بما يضمن عدم تراكم القضايا أو إعادة تدوير النزاع بين الأطراف.
وفي المحصلة، فإن وجود إطار إجرائي واضح ومتكامل، مدعوم بآليات تنفيذ فعالة ورقابة حقيقية، من شأنه أن يُسهم في تحقيق سرعة الفصل في القضايا، والحد من النزاعات المتكررة، بما ينعكس بشكل مباشر على استقرار الطفل وحمايته من تداعيات الصراع الأسري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.