د.حسن هجرس يكتب | منظومة إدارة الأزمات

0

لم تعد إدارة الأزمات بالمحافظات ترفا إداريا أو ملفا ثانويا، بل أصبحت أحد أهم مقاييس كفاءة الإدارة المحلية في الجمهورية الجديدة.  فالمحافظة لا تواجه أزمة واحدة فقط، بل تواجه سلسلة متداخلة من الأزمات اليومية؛ بعضها يظهر فجأة، وبعضها يتراكم بصمت حتى يتحول إلى أزمة عامة تمس حياة المواطنين مباشرة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام القيادات التنفيذية في المحافظات هو القدرة على التحول من “إدارة رد الفعل” إلى “إدارة جاهزية واستباق”.
الأزمات التي تواجه الإدارة المحلية متعددة ومتشابكة: ضغط على المرافق والخدمات، تكدس مروري ، نقص موارد أو تعطل تنفيذ ، شكاوى تتصاعد بسبب تأخير الإجراءات ، انتشار الشائعات وقت الأحداث ، أمطار وسيول في بعض المناطق ، حرائق وأسواق عشوائية ، مشكلات النظافة والمخلفات، واحتكاكات مجتمعية حول الخدمات أو التوزيع أو القرارات . وهذه الأزمات لا تدار بعقلية “الرد على المشكلة بعد وقوعها”، بل تدار بمنهج مؤسسي واضح يقوم على: الاستعداد ، وسرعة الاستجابة ، والتنسيق ، ثم المتابعة والمحاسبة.
ومن واقع الخبرة التنفيذية، فإن إدارة الأزمة تبدأ قبل أن تبدأ الأزمة نفسها ، تبدأ بالبيانات الدقيقة ، والرقابة الميدانية ، وقراءة مؤشرات الإنذار المبكر ، ووضع سيناريوهات للتعامل مع كل موقف. فالأزمة لا تنتظر قرارات طويلة ، بل تحتاج إلى قائد قادر على اتخاذ قرار سريع ، وتوجيه الفرق على الأرض ، وتحديد مسؤوليات واضحة لكل جهة ، مع تواصل ذكي يحافظ على هدوء المواطنين ويمنع تضخم الحدث.
ولأن المحافظات والإدارة المحلية تعمل ضمن منظومة متعددة الجهات ، فإن نجاح إدارة الأزمات يعتمد بصورة كبيرة على التنسيق بين الأجهزة التنفيذية : مرافق ، طرق ، مرور ، صحة ، حماية مدنية ، تعليم ، تضامن ، وشركات الخدمات مثل المياه والكهرباء والغاز والتليفونات..الخ
وتزداد صعوبة الأزمة حين تتداخل المصالح وتختلط المسؤوليات، لذلك تصبح “إدارة العمليات” هنا ضرورة لا رفاهية؛ إدارة تعتمد على غرفة عمليات فعالة ، وتقارير ميدانية لحظية ، وتوزيع موارد مناسب ، وخطة اتصال واضحة مع المواطنين ووسائل الإعلام.
كما أن الأزمات في الإدارة المحلية لا تنتهي عند حل الموقف ، بل تبدأ مرحلة أهم: استخلاص الدروس ومنع التكرار. وهنا تظهر قيمة الحوكمة ، أن نحدد سبب الأزمة ، ونعالج جذورها ، هل المشكلة في الإجراءات ؟ في الرقابة ؟ في الموارد ؟ في غياب التنسيق ؟ ثم يتم تطوير السياسات
والخطط حتى لا يتحول كل موسم أو حدث إلى أزمة جديدة.
إن المحافظات اليوم تحتاج إلى قيادات ميدانية تفهم أن إدارة الأزمات ليست (تحركا وقتيا) ، بل هي منظومة كاملة من التخطيط ، والانضباط ، وإدارة فرق العمل ، ورفع كفاءة التشغيل ، وتقديم خدمة محترمة للمواطن تحت الضغط. وعندما تصبح الإدارة المحلية قادرة على إدارة الأزمات بكفاءة وشفافية ، فإنها لا تحمي فقط الخدمات ، بل تحمي الاستقرار الاجتماعي ، وتؤكد قدرة الدولة على الاستجابة السريعة ، وتعيد الثقة في الجهاز التنفيذي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.