د. رامي جلال يكتب | حكمة العيد ومعنى التضحية

0

بأي حال عدت يا عيد؟ دائمًا ما يثار في ذهني سؤال عن عيد الأضحى، هل هو طقس نؤديه أم هو معنى أعمق من ذلك بكثير؟ أعتقد أنه يتصل بطريقة فهم الإنسان لعلاقته بالله، وبنفسه، وبالآخرين.
في جوهر العيد، لا تقف الأضحية وحدها، بل تقف فكرة الاستعداد لأن يقدم الإنسان شيئًا عزيزًا، لأنه أدرك أن ما عند الله أبقى، وأن الإنسان لا يكتمل بالأخذ وحده، لكنه يكتمل حين يعرف متى يعطي، ومتى يتنازل، ومتى يقدم ما يحب طاعةً أو رحمةً أو وفاءً.
قصة سيدنا إبراهيم، عليه السلام، ليست مجرد قصة اختبار، بل هي درس كبير في الثقة. أن يبلغ الإنسان درجة من التسليم تجعله يرى أن إرادة الله أوسع من فهمه، وأن الرحمة الإلهية أعمق من خوفه. ولذلك انتهت القصة بالفداء، وكأن المعنى الأهم أن الله يريد من الإنسان قلبه وليس دمه.
التضحية، بهذا المعنى، ليست حكرًا على دين واحد. في الأديان كلها تقريبًا نجد فكرة تقديم شيء من الذات من أجل معنى أكبر. في المسيحية، تقوم الفكرة المركزية على المحبة الباذلة، وعلى أن الإنسان لا يرتقي إلا حين يخرج من أنانيته. وفي اليهودية، تحضر فكرة العهد والطاعة والاختبار. وفي الإسلام، تتجلى التضحية في صورة عملية تربط بين الإيمان والرحمة الاجتماعية؛ فاللحم لا يبقى داخل بيت صاحبه فقط، بل يذهب إلى الفقير والقريب والجار، كأن العيد يقول لنا إن العبادة التي لا تلمس الناس ناقصة المعنى.
لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للعيد أن يتحول إلى عادة بلا روح، أو إلى مظهر اجتماعي بلا حكمة. الأضحية تذكير بأن المال نفسه لا يصبح نعمة كاملة إلا حين يعبر من يدك إلى يد من يحتاجه. والعيد ليس في كثرة ما نملك، لكن في اتساع ما نشارك به.
نحتاج إلى قدر من التضحية في حياتنا اليومية العادية المعاشة، وهي تضحية القادر بجزء من راحته من أجل من لا يملك الراحة.
أعتقد أن حكمة عيد الأضحى أنه يعيد ترتيب علاقتنا بالأشياء. ويذكرنا أن الإنسان ليس بما يحتفظ به فقط، بل بما يستطيع أن يقدمه. وأن الإيمان ليس مجرد كلامًا نردده، لكنه قدرة على أن نكسر قسوة النفس، ونفتح بابًا للرحمة، ونفهم أن ما نمنحه للآخرين لا ينقصنا، بل يحمينا من الجفاف الروحي.
كل عام ونحن أقدر على الفهم، وأصدق في العطاء، وأقرب إلى المعنى… العيد الحقيقي ليس يومًا في التقويم، لكنه لحظة يلين فيها القلب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.