هدي مصطفي تكتب | الفتاة بين الموروث والاختيار

0

في المجتمع المصري، لا تُولد الفتاة صفحة بيضاء، بل تُولد داخل إطار ممتد من العادات والتقاليد والأعراف التي تشكل ملامح حياتها منذ اللحظة الأولى. هذه المنظومة الاجتماعية، الممتدة عبر أجيال، لا تقتصر فقط على كونها مرجعية للسلوك، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى معيار يُقاس عليه الصواب والخطأ، بل ويُحاكم به اختيارات الفتاة ومسار حياتها بالكامل.وتظهر هذه التأثيرات بوضوح في تفاصيل يومية تبدو بسيطة لكنها تحمل دلالات عميقة. فمثلًا، لا يزال هناك في بعض البيئات اعتقاد أن “تعليم البنت لحد معين كفاية”، أو أن الأولوية في التعليم تكون للولد باعتباره “سند المستقبل”. وفي سياقات أخرى تُواجه الفتاة بقيود على حركتها أو ملابسها تحت مسمى “العيب” أو “الخوف عليها”، بينما لا تُطبق نفس المعايير على الشاب.كما تمتد هذه الأعراف إلى قرارات مصيرية، مثل الضغط على الفتاة للزواج في سن مبكرة باعتبار أن “الفرصة لما تيجي ما تتعوضش”، أو رفض عملها في بعض المجالات بدعوى أنها “لا تناسب طبيعة البنت”. وفي بعض الأسر، قد تُحرم الفتاة من حقها في الميراث بشكل غير مباشر، إما بدافع الحفاظ على “أملاك العائلة” أو خوفًا من انتقالها إلى عائلة أخرى.بل إن هناك موروثات تتعلق بطريقة التعبير عن الذات، حيث تُربّى الفتاة على أن “الصوت الواطي أدب”، أو أن التعبير عن الرأي قد يُفهم كنوع من التمرد، مما يؤثر على ثقتها بنفسها وقدرتها على اتخاذ القرار.العادات والتقاليد في جوهرها ليست سلبية، بل هي انعكاس لهوية مجتمع، تحمل داخله قيمًا مثل الترابط الأسري، والاحترام، والانتماء. لكنها تصبح إشكالية عندما تتحول من مرجعية مرنة إلى قيود صارمة، تفرض نمطًا واحدًا للحياة، دون اعتبار لاختلاف الشخصيات أو تطور الزمن.تجد الفتاة المصرية نفسها في معادلة معقدة: بين ما تريده لنفسها، وما يُتوقع منها أن تكونه. وهنا يظهر الفارق بين “العُرف” و”الوعي”. فالعُرف قد يحدد المسار، لكن الوعي هو ما يمنح الإنسان القدرة على الاختيار داخله أو حتى إعادة تشكيله.الفتاة الواعية لا ترفض موروثها، لكنها تعيد قراءته، تميز بين ما يدعمها وما يقيّدها، وتختار أن تكون امتدادًا واعيًا له، لا نسخة مكررة منه. ومع التغيرات المتسارعة التي يشهدها المجتمع، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض الموروثات التي لم تعد مناسبة للواقع الحالي، خاصة تلك التي تحد من دور الفتاة أو تحصرها في أدوار تقليدية لا تعكس إمكانياتها الحقيقية.إن تشكيل هوية الفتاة المصرية يجب أن يكون عملية متوازنة، تجمع بين الاعتزاز بالجذور والانفتاح على الحاضر. فلا يمكن إنكار دور العادات والتقاليد في بناء الشخصية، لكن لا ينبغي أن تكون هذه العادات هي السقف الذي تتوقف عنده الطموحات.وفي النهاية تظل القضية ليست في وجود العادات والتقاليد، بل في كيفية التعامل معها. فالفتاة المصرية ليست مجرد نتاج لموروث، بل هي قادرة أن تكون صانعة له… حين تمتلك الوعي، وتُمنح الفرصة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.