د.حسن هجرس يكتب | 30 يونيو.. انتصار الدولة المصرية
30 يونيو.. حين انتصر الشعب وسقطت الجماعة الإرهابية
30 يونيو لم تكن مجرد محطة سياسية في تاريخ مصر الحديث، بل كانت لحظة فارقة استعادت فيها الدولة المصرية هويتها
الوطنية، وكشف فيها الشعب المصري حقيقة مشروع طالما حاول الاختباء خلف الشعارات الدينية والعبارات العاطفية. ففي ذلك اليوم، لم يخرج المصريون رفضا لأداء سياسي فاشل فقط، بل خرجوا دفاعا عن الدولة الوطنية وعن فكرة الوطن نفسها.
لقد أثبتت التجربة أن الجماعات ذات الطابع الأيديولوجي المغلق لا تؤمن بالدولة بمفهومها الحديث، بقدر ما تؤمن بالتنظيم
ومصالحه وأهدافه الخاصة. فعلى مدار سنوات طويلة، سعت جماعة الإخوان إلى التغلغل داخل المجتمع عبر أدوات متعددة، كان من بينها استغلال العمل الخيري والخدمات الاجتماعية للوصول إلى قطاعات مختلفة من المواطنين، ليس بهدف التنمية المجتمعية الخالصة، وإنما لبناء قواعد ولاءات
تخدم مشروعها السياسي والتنظيمي.
المشكلة لم تكن يوما في العمل الخيري ذاته، فهو قيمة إنسانية نبيلة، لكن الخطورة كانت في توظيفه كأداة للنفوذ السياسي
والتأثير على القرار المجتمعي، وفي محاولة استبدال الانتماء للوطن بالانتماء للتنظيم. ومع مرور الوقت، تكشفت أمام المصريين ملامح مشروع لا يستهدف بناء دولة حديثة تتسع للجميع، بقدر ما يسعى إلى احتكار المجال العام وإخضاع مؤسسات الدولة لرؤية تنظيمية ضيقة.
وجاءت ثورة 30 يونيو لتكشف هذه الحقيقة بوضوح. فقد أدرك الشعب المصري أن الدولة كانت تواجه تحديا وجوديا، وأن الحفاظ
على مؤسساتها الوطنية أصبح ضرورة لا تقبل التأجيل. ولذلك خرجت الملايين في مشهد تاريخي جسد واحدة من أعظم صور الإرادة الشعبية في العصر الحديث، معلنة انحيازها للدولة الوطنية ورفضها لأي محاولات لاختطافها أو توجيهها لخدمة أهداف تنظيمية.
ومنذ ذلك التاريخ، خاضت الدولة المصرية معركة شاملة لحماية أمنها واستقرارها. وقد لعبت القوات المسلحة المصرية ووزارة
الداخلية دورا بطوليا في مواجهة الإرهاب وتجفيف منابعه، خاصة في سيناء، حيث قدم أبطال الجيش والشرطة تضحيات عظيمة من أجل حماية الوطن وصون مقدراته. هذه الجهود نجحت في توجيه ضربات قوية للتنظيمات الإرهابية وإفشال مخططاتها.
وفي الوقت نفسه، قاد الرئيس عبد الفتاح السيسي مسارا متكاملا لاستعادة قوة الدولة المصرية، ليس فقط من خلال المواجهة
الأمنية، وإنما عبر التنمية الشاملة وبناء الجمهورية الجديدة. فالدولة القوية لا تحارب الإرهاب بالسلاح فقط، بل تحاربه أيضا بالتنمية والتعليم وتوفير الفرص وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
ورغم النجاحات الكبيرة التي تحققت، فإن التحديات لم تنته بالكامل. فالجماعات المتطرفة لا تتوقف عن محاولة استغلال
الأزمات أو نشر الشائعات أو بث الأكاذيب بهدف التشكيك في مؤسسات الدولة وإضعاف الثقة بينها وبين المواطنين. لذلك تظل اليقظة الوطنية ضرورة مستمرة، ويظل الوعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة أي محاولات تستهدف استقرار البلاد.
إن الدرس الأهم الذي قدمته 30 يونيو هو أن الشعب المصري يمتلك من الوعي ما يمكنه من التفرقة بين العمل السياسي الوطني
وبين المشاريع التي تتخذ من الدين أو الشعارات ستارا لتحقيق أهداف أخرى. كما أثبتت أن المصريين، عندما يتعلق الأمر بوطنهم، يقفون صفا واحدا دفاعا عن دولتهم ومؤسساتهم ومستقبل أبنائهم.
وإذا كانت 30 يونيو قد كشفت حقيقة الجماعة، فإنها في الوقت نفسه أكدت حقيقة أخرى أكثر أهمية، وهي أن الدولة المصرية
أقوى من كل المؤامرات، وأن شعبها أكثر وعيا من كل محاولات التضليل، وأن الحفاظ على الوطن سيظل مسؤولية مشتركة تتطلب اليقظة الدائمة والاصطفاف خلف مؤسسات الدولة الوطنية في مواجهة أي مخاطر أو تحديات.