أحمد زهران يكتب | 30 يونيو والشرق الأوسط

0

لم تكن أحداث الثلاثين من يونيو في مصر مجرد حراك شعبي لتبديل سلطة سياسية بأخرى، بل كانت في جوهرها نقطة تحول كبرى أعادت صياغة التوازنات السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط ككل. لقد جاء هذا الحراك بمثابة كبح لمشروع تفتيت الدولة الوطنية، وإعلان صريح عن انحياز المؤسسات السيادية لهوية الدولة المركزية في مواجهة الأطروحات العابرة للحدود التي هددت استقرار المنطقة.
وقد جاءت هذه التحولات في توقيت كان يعاني فيه المشرق العربي من سيولة أمنية حادة وانهيار هيكلي في بنية النظم السياسية لعدة دول رئيسية. ومن هذا المنطلق، أحدث التغيير في مصر تأثيرات واسعة على خارطة النفوذ والقوى، حيث نجحت الدولة المصرية في تفادي مصير “الدول الفاشلة” الذي أصاب أطرافاً إقليمية أخرى، وحافظت على تماسك مؤسساتها الإدارية والعسكرية، مما منع حدوث فراغ في قلب المنطقة كان سينعكس سلباً على أمن الخليج العربي والبحر الأحمر، لتنتهي بذلك مراهنات قوى إقليمية ودولية حاولت إعادة تشكيل المنطقة وفقاً لمصالحها عبر دعم صعود تيارات بعينها.
وشكلت هذه المرحلة البداية الفعلية لأفول الأيديولوجيا وتراجع نموذج “الإسلام السياسي” من موقع إدارة الحكم إلى مربع الدفاع عن الوجود. هذا الانحسار لم يكن ناتجاً عن تدافع سياسي فحسب، بل ارتكز على أزمة كفاءة حقيقية؛ إذ أثبتت التجربة العملية عجز تنظيم الإخوان المسلمين عن الانتقال من عقلية “المعارضة السرية” إلى فكر “رجل الدولة”، وغابت الرؤى الشاملة لصالح سياسات “أخونة” مفاصل الدولة وتمكين الكوادر على حساب الكفاءة الوطنية. هذا الصدام المباشر مع القوى المدنية والمؤسسات التقليدية أدى إلى تبديد الرصيد الشعبي للتنظيم، وتسبب في عزلة مجتمعية حادة بعدما بدا واضحاً للرأي العام أن أهداف الجماعة لا تتقاطع مع مفهوم المصلحة العليا للوطن.
ولم يقف التحول عند حدود الصندوق السياسي، بل أعقبته موجة عنف مسلح قادتها شبكات ومجموعات دارت في فلك تنظيم الإخوان، في محاولة لإنهاك الدولة وفرض واقع جديد عبر القوة وإثارة الفوضى. وهنا واجهت القوات المسلحة وأجهزة الشرطة والأمن موجة العنف وفق استراتيجية مركبة جمعت بين الحسم الميداني والاستخباراتي، وخوض حرب استنزاف دقيقة ضد المعاقل الإرهابية في شمال سيناء، بالتوازي مع ضربات استباقية وجهتها الأجهزة الأمنية للخلايا النوعية في المدن، مما أفقد الجماعات المتطرفة قدرتها على المبادرة. وقد استندت الدولة في هذه المعركة إلى حاضنة شعبية واسعة وفرت غطاءً معنوياً للإجراءات الأمنية وضيق المساحة الحركية لعناصر العنف وحرمهم من التغلغل في النسيج الاجتماعي.
وفي ذات السياق، أدرك صانع القرار في مصر أن استدامة الاستقرار تتطلب تجاوز المعالجة الأمنية المباشرة نحو تجفيف المنابع واستئصال القدرات الهيكلية للتنظيم. وجرى العمل عبر مسارات قانونية ومؤسسية حاسمة لتقويض العصب المالي عبر حصر وتجميد الأصول والشركات والكيانات الاقتصادية التي ثبت استخدامها كواجهات لتمويل أنشطة التنظيم أو دعم أجنحته المسلحة، مما شل قدرته التمويلية داخلياً وخارجياً. وتزامن ذلك مع حظر الجمعيات والمؤسسات الأهلية والتعليمية التي كانت تُستخدم كمنافذ للاستقطاب الفكري والدعم اللوجستي وإخضاعها للإشراف المباشر للدولة، بجانب اتخاذ إجراءات تشريعية لتأمين الهيكل الإداري وتنقية الجهاز البيروقراطي من العناصر التنظيمية التي حاولت ممارسة التعطيل الممنهج.
إن المحصلة السياسية لثورة 30 يونيو تتجاوز التقييمات المحلية الضيقة؛ إذ مثلت تاريخياً نقطة ارتكاز أعادت الاعتبار لمفهوم “الدولة الوطنية” كنموذج وحيد قادر على حفظ الاستقرار والتنمية في الشرق الأوسط، منهيةً حقبة من المراهنات على تيارات أثبتت التجربة عدم توفرها على شروط البقاء السياسي أو الإدارة الرشيدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.