أسماء عبدالله تكتب | إلى جيل لم يعش 30 يونيو
عزيزي الشاب الذي كان في الخامسة من عمره صيف ٢٠١٣…
أكتب إليك بعد أكثر من عقد من الزمن، لا لأحكي لك قصة يوم، بل لأحكي لك كيف يمكن ليوم واحد أن يغير طريقة تفكير دولة بأكملها.
ربما لا تتذكر شيئا من ذلك الصيف، وربما كل ما تعرفه عن ٣٠يونيو جاء من كتاب، أو فيديو قصير، أو حديث داخل المنزل، ربما لا تتذكر شيئا من ذلك الصيف. وربما كل ما بقي في ذاكرتك صورة قديمة، أو حديث متقطع سمعته من والديك، أو سؤال طرحه مدرس التاريخ في الفصل ، لكني أكتب إليك اليوم لأخبرك أن بعض الأيام لا يغيرها عدد الساعات التي عشتها، بل حجم الأثر الذي تركه بداخلك.
هذا اليوم لم يكن بمثابة انقاذ مصر من مصير مجهول فحسب بل كانت لحظات حاسمة ترد على سؤال هام كيف يمكن لدولة عمرها آلاف السنين أن تعبر لحظة ارتباك دون أن تفقد نفسها؟
وتكمن الإجابة في رحلة التحديات التى عقبت ٣٠يونيو، ربما لهذا السبب لا ينبغي أن نتحدث عن ذلك اليوم باعتباره مجرد يوم خرج فيه ملايين المصريين إلى الشوارع، بل باعتباره بداية مرحلة أعادت فيها الدولة ترتيب أولوياتها.
وهنا تكمن المفارقة، أن هذا التاريخ الخالد ساهم في تغيير الصورة الذهنية لوطن كامل.
سأحكي لك شئيا ليس سرا، بل ربما مررت به يوما، أتذكر عندما كنت صغيرة، كان السفر بين بعض المحافظات يستغرق ساعات طويلة على طرق ضيقة،اليوم، أصبحت المسافات تُقاس بالوقت الذي كسبناه، لا بعدد الكيلومترات فقط.
أتذكر عندما كانت الخدمات الحكومية تعني أوراقا لا تنتهي، وطوابير لا تنتهي،اليوم، صار كثير منها في هاتف تحمله في جيبك.
تعلمنا خلال تلك السنوات أن الأمن لا يعني فقط حماية الحدود، بل يعني أيضا أن تكن الدولة قادرة على مواجهة أزمة عالمية دون أن تتوقف الحياة،وعندما واجه العالم جائحة كورونا، ثم اضطرابات الاقتصاد العالمي، أثبتت التجربة أن الدول التي استثمرت في بناء مؤسساتها وبنيتها الأساسية كانت أكبر قدرة على الصمود.
عزيزي.. أنت تسطيع أن تشاهد مباريات كأس العالم في العاصمة الإدارية، وقد ترى بعد سنوات أن القطار الكهربائي شيء طبيعي، والخدمات الحكومية الإلكترونية جزء من الحياة، والطرق الواسعة ليست حدثا استثنائيا والمدن الجديدة مجرد أماكن يسكن فيها الناس.
أنت من جيل يرى مصر بشكل مختلف، لأنه لم يعرف شكلها قبل ذلك ،لم يعد الطريق مجرد طريق، بل وسيلة لربط المدن وتقليل تكلفة النقل وجذب الاستثمار،ولم تعد محطة الكهرباء مجرد مشروع خدمي، بل أصبحت عنصرا يحافظ على استمرار الصناعة والمستشفيات والمدارس ،ولم تعد الموانئ مجرد أماكن لاستقبال السفن، بل بوابات للتجارة العالمية ،حتى فكرة بناء مدينة جديدة لم تعد مجرد توسع عمراني، بل محاولة لتوزيع السكان وخلق مراكز اقتصادية جديدة.
تغيرت أيضا نظرة الدولة إلى التكنولوجيا. فبدلا من أن يقف المواطن في طابور طويل لإنهاء معاملة حكومية، بدأت عشرات الخدمات تنتقل إلى المنصات الرقمية. وربما لا يلفت هذا انتباهك أنت وزملائك اليوم، لأنكم اعتدواعليه، لكنه قبل سنوات لم يكن أمرا مألوفا.
وفي الخارج، اتسعت دوائر الحركة المصرية أصبح الحديث عن إفريقيا، وشرق المتوسط، والربط الكهربائي، والطاقة، والاستثمار، جزًا من الأخبار اليومية، بعدما كانت ملفات لا تحظى باهتمام واسع لدى الرأي العام.
لكن أهم ما تغير ربما لم يكن طريقا أو مدينة أو مشروعا، بل تغيرت طريقة التفكير،أصبح الحديث يدور حول: كيف نبني؟ كيف نستعد؟ كيف نجعل الدولة أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات؟
اسمعك .. ولعلك تسأل .. هل انتهت التحديات؟ بالتأكيد لا، فكل مرحلة تخلق تحديات جديدة، وكل جيل يواجه أسئلة مختلفة. وما زالت قضايا مثل التعليم، وجودة الخدمات، وفرص العمل، والابتكار، وتحسين مستوى المعيشة، تتطلب جهدا متواصلا.
ولذلك، عندما يسأل شاب لم يعش أحداث ٣٠يونيو: لماذا لا يزال الناس يتحدثون عنها بعد كل هذه السنوات؟
ربما تكون الإجابة الأبسط هي أنها لم تكن مجرد حدث سياسي، بل كانت بداية مرحلة تغيّر فيها شكل الدولة، وتبدلت فيها أولوياتها، ورسمت لنفسها مسارا جديدا.
أما تقييم هذا المسار، فهو مسؤولية كل جيل يقرأ الماضي بعين مفتوحة، وينظر إلى المستقبل بعقل لا يتوقف عن السؤال والتأمل أيضا.
لكن دعني أخبرك بشيء آخر؛ أن أحد المخرجات القيمة -من وجهة نظري- بل أفضل مكتسبات ٣٠ يونيو؛ أنها بدأت حوارا لا ينبغي أن يتوقف؛ حوارا حول معنى الدولة، وحول مسؤولية المواطن، وحول أهمية أن يختلف الناس دون أن يخسروا وطنهم ، ولذلك، فإن الحديث عن ٣٠يونيو ليس حديثا عن الماضي فقط، بل عن اللحظة التي بدأت فيها الدولة تعيد تعريف أولوياتها.
ولهذا، لا أريد منك أن تحفظ التواريخ، ولا أن تردد .. أريد منك فقط أن تقرأ، أن تسأل ، أن تعرف أن كل جيل يرى الحدث من زاويته، لكن الوطن يبقى أكبر من أي جيل، وأكبر من أي لحظة.
وعندما يأتي دوركم في كتابة الفصل القادم من قصة مصر، لا تسألوا فقط: ماذا حدث في ٣٠ يونيو؟
اسألوا أيضا ماذا فعلنا نحن بما ورثناه، وعندما تروي أنت يوما ما لأبنائك ماذا كانت ٣٠يونيو، فلا تقل لهم إنها مجرد مناسبة في التقويم، قل لهم إنها كانت لحظة بدأت فيها مصر رحلة لإعادة تشكيل نفسها، رحلة نجحت في أشياء، وما زالت أمامها تحديات في أشياء أخرى، لكنها غيّرت الطريقة التي تنظر بها الدولة إلى المستقبل.
ولتعلم أن هناك جيل كامل في مصر لا يعرف أن ما يعتبره اليوم أمرا طبيعيا.. كان يوما ما حلما، أو مشروعا، أو مجرد فكرة.
فالأوطان لا تعيش على أمجاد الماضي، وإنما تزدهر حين يحول كل جيل ما تسلمه من إنجازات إلى نقطة بداية جديدة، لا إلى نقطة نهاية ،فالتاريخ لا يصنعه الذين يتذكرون الأحداث فقط…بل الذين يفهمون أثرها.