مصطفى الحداد يكتب | التمكين السياسي للشباب
في عالم يشهد تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية متسارعة، أصبحت مشاركة الشباب
في الحياة السياسية أحد أهم المؤشرات على حيوية المجتمعات وقدرتها على التطور
والاستقرار. فالشباب لا يمثلون فقط شريحة ديموغرافية واسعة داخل المجتمع، بل
يشكلون طاقة فكرية وبشرية قادرة على الإسهام في صنع القرار وبناء المستقبل. ومن ثم
فإن تمكين الشباب سياسيًا لا يعد مجرد خيار سياسي، بل يمثل أحد أهم مداخل تعزيز
منظومة حقوق الإنسان وترسيخ مبادئ المشاركة والديمقراطية.
تُعد الحقوق السياسية للشباب جزءًا أصيلًا من منظومة حقوق الإنسان، إذ تتضمن هذه
الحقوق حرية التعبير عن الرأي، والحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة، والحق في
الترشح والانتخاب، والانخراط في العمل الحزبي والعام. وهذه الحقوق لا تمثل امتيازات
تُمنح للشباب، بل هي حقوق أصيلة تكفلها الدساتير والقوانين والمواثيق الدولية لحقوق
الإنسان، باعتبار أن المشاركة السياسية تمثل أحد أهم أدوات تمكين المواطنين من التأثير
في السياسات العامة وصنع مستقبل أوطانهم.
غير أن الواقع يشير إلى وجود حالة من العزوف النسبي لدى قطاع من الشباب عن المشاركة
السياسية، سواء في صورة التصويت في الانتخابات، أو الترشح للمناصب العامة، أو حتى
التعبير عن الرأي والمشاركة في النقاشات العامة. ويرجع هذا العزوف إلى مجموعة من
المقومات والعوامل المتشابكة، من بينها ضعف الوعي السياسي لدى بعض الشباب، وغياب
قنوات فعالة للتواصل بين الشباب والمؤسسات السياسية، بالإضافة إلى الشعور بعدم
التأثير المباشر في عملية صنع القرار. كما تلعب بعض العوامل الاقتصادية والاجتماعية
دورًا مهمًا في توجيه اهتمام الشباب نحو قضايا المعيشة والعمل، وهو ما قد يحد من
انخراطهم في العمل العام.
كما أن محدودية البرامج التدريبية والسياسية الموجهة للشباب في بعض الفترات ساهمت
في تقليص فرص إعداد كوادر شبابية قادرة على خوض التجارب السياسية بثقة وكفاءة.
ويضاف إلى ذلك أن بعض الشباب قد يفتقرون إلى المعرفة الكافية بآليات العمل السياسي
وأدوات التأثير في المجال العام، وهو ما يجعل المشاركة السياسية تبدو بالنسبة لهم مجالًا
معقدًا أو بعيدًا عن اهتماماتهم اليومية.
وفي هذا السياق تبرز أهمية العمل على إعادة دمج الشباب في الحياة السياسية من خلال
تبني سياسات وبرامج تستهدف تأهيلهم وتمكينهم من ممارسة حقوقهم السياسية بشكل
فعال. ولا يقتصر هذا الدور على مؤسسات الدولة فحسب، بل يمتد ليشمل الجامعات
والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، باعتبارها مؤسسات محورية في بناء الوعي
السياسي وتنمية القدرات القيادية لدى الشباب.
فالجامعات تمثل البيئة الأولى التي يتشكل فيها الوعي العام لدى الشباب، ومن ثم فإن
تعزيز الأنشطة الطلابية والحوارية، وتنظيم الندوات والبرامج التدريبية المتعلقة بالعمل
العام، يمكن أن يسهم في تنمية الثقافة السياسية لدى الطلاب وإعدادهم للمشاركة الفعالة
في الشأن العام. كما أن تشجيع الطلاب على ممارسة الأنشطة التنظيمية والعمل الجماعي