أحمد ياسر الكومي يكتب | مصر والصين وجذور التاريخ
تحظى الزيارة التاريخية التي يقوم بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر بأهمية خاصة، وذلك ارتباطا بالتوقيت على المستوى الثنائي وكذلك في السياقين الإقليمي والدولي، وكذلك طبيعة ما سيتم مناقشته من ملفات وما تحمله من آفاق أوسع لتطور العلاقات الثنائية بين الدولتين في ظل الخصوصية الفريدة لتلك العلاقات.
ويوافق هذا العام الذكري السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وجمهورية الصين الشعبية، وخلال تلك العقود السبعة شهدت العلاقات الثنائية تطورات مهمة على كافة المسارات، إلا أنه يمكن اختزال علاقات الدولتين في سبعة عقود فحسب، إذ تمتد جذور تلك العلاقات إلى عمق حضاري وثقافي وإنساني طويل، استند عبر العقود إلى الاحترام المتبادل والرغبة المشتركة في تعزيز الحوار بين الحضارات وتبادل الخبرات والمعارف. وقد أسهم هذا الإرث الحضاري المشترك في بناء شراكة متنامية استطاعت أن تتجاوز حدود الجغرافيا واختلاف الثقافات واللغات لتقدم نموذجًا ناجحًا للتعاون بين الأمم. فالحضارة المصرية القديمة التي نشأت على ضفاف نهر النيل، والحضارة الصينية العريقة التي ازدهرت على ضفاف الأنهار الكبرى في شرق آسيا، تشتركان في العديد من القيم والمفاهيم الحضارية المرتبطة بالاستقرار والتنظيم واحترام المعرفة والسعي إلى بناء مجتمعات مزدهرة ومستقرة.عندما قررت مصر في 30 مايو 1956 إقامة علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، لم يكن القرار مجرد إجراء شكلي. فقد كانت القاهرة تقود حركة تحرر وطني واسعة النطاق، وتسعى إلى عالم لا تحتكره القوى الاستعمارية القديمة، بينما كانت بكين تحاول كسر العزلة المفروضة عليها واستعادة مكانتها بين الأمم. وهكذا، تلاقت الدولتان حول مبادئ الاستقلال وحق الشعوب في اختيار مسارها.
على مدى السبعين عامًا التالية، انتقلت الصين من دولة تسعى للاعتراف إلى قوة عظمى تطمح للمشاركة في صياغة النظام الدولي وبناء عالم متعدد الأقطاب. أما مصر، فقد حافظت، رغم الأزمات والتحولات التي واجهتها، على مكانة لا يمكن تجاهلها في خرائط السياسة والتجارة. فهي تجمع في مكان واحد قناة السويس، والعالم العربي، والقارة الأفريقية، والبحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر. هذه ليست مجرد عناصر وصف جغرافي، بل هي أدوات قوة إذا أحسنت استخدامها، وأعباء استراتيجية إذا تُركت دون رؤية توجيهية.
لذا، يُعدّ إدراج مصر في برنامج الرئيس الصيني الخارجي اعترافاً بأهميتها الاستراتيجية والسياسية. كما يُلزم القاهرة بتحديد ما تريده من بكين بدقة. وتُدرك الصين مصالحها جيداً: طرق تجارية آمنة، وأسواق لصادراتها، ومواقع جديدة لصناعاتها، وشركاء في دول الجنوب العالمي.لقد تحققت إنجازات كبيرة منذ أن رفعت القاهرة وبكين مستوى علاقاتهما إلى “شراكة استراتيجية شاملة” في عام 2014. وشاركت الشركات الصينية في تطوير الحي التجاري المركزي في العاصمة الإدارية الجديدة ونظام النقل السريع بالسكك الحديدية الخفيفة، بالإضافة إلى مشاريع الطاقة والاتصالات، في حين أصبحت منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية “تيدا السويس” في العين السخنة قاعدة رئيسية للاستثمارات الصينية. كما وفر البرنامج التنفيذي للشراكة الاستراتيجية الشاملة للفترة 2024-2028 إطاراً لتحويل الإرادة السياسية إلى مشاريع ملموسة.
بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي في عام 2025 نحو 19.52 مليار دولار أمريكي، مرتفعاً من 17.38 مليار دولار أمريكي في عام 2024، أي بزيادة قدرها 12.3% تقريباً. وتشير بعض التقديرات الرسمية إلى أن نحو 2800 شركة صينية تعمل في السوق المصرية، باستثمارات تراكمية تتجاوز 8 مليارات دولار أمريكي. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام، مهما بدت مبهرة، لا تعكس الصورة كاملة. فقد يكون حجم التجارة في ازدياد، لكن توازنها لا يزال غير متوازن؛ فعدد الشركات كبير، لكن مساهمة بعضها في نقل التكنولوجيا لا تزال محدودة.تُتيح زيارة الرئيس الصيني “شي جين بينغ “فرصةً لإضفاء بُعد دولي أوسع على العلاقات المصرية الصينية. فإلى جانب توسيع التجارة والاستثمار وبناء القدرات الإنتاجية والتكنولوجية، يُمكن للبلدين تعزيز التنسيق ضمن مجموعة البريكس، وبنك التنمية الجديد، والأمم المتحدة، وأطر التعاون الصيني مع الدول العربية والأفريقية. ويمكن لهذا التنسيق أن يُركز على زيادة تمثيل الدول النامية في مؤسسات الحوكمة العالمية، وإصلاح ممارسات تمويل التنمية، وتوسيع نطاق الوصول إلى التكنولوجيا والمعرفة، وترسيخ حق الدول في تحديد أولوياتها ومساراتها التنموية. ويُمكّن موقع مصر وروابطها العربية والأفريقية والمتوسطية من القيام بدور يتجاوز مجرد استقبال المشاريع الصينية، ليُسهم في صياغة مواقف أوسع تُعبّر عن مصالح دول الجنوب العالمي.
وعلى هذا الأساس، فإن أهمية العلاقات المصرية الصينية لا تقتصر على حجم التجارة والاستثمار؛ بل تمتد إلى قدرتها على ترجمة التقارب بشأن السيادة، وأولوية التنمية، وتعدد مسارات التحديث إلى مواقف مشتركة وممارسات مؤسسية أكثر إنصافًا للدول الصاعدة والنامية.
لا يتطلب هذا رؤى متطابقة أو تبني نموذج صيني جاهز، بل يستدعي مشاركة أوسع من جانب دول الجنوب العالمي في تحديد التقدم وصياغة قواعد التمويل والتعاون والمنظمات الدولية. تكمن الأهمية الأعمق لصعود الصين في أنها لا تعيد توزيع القوة العالمية فحسب، بل هو تفتح أيضاً مجالاً أوسع أمام الحضارات والمجتمعات غير الغربية للمشاركة في إنتاج الأفكار والمؤسسات التي يقوم عليها النظام الدولي