د. مروة إبراهيم تكتب | على أعتاب زمن جديد

0

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قوة الأوطان بما تملكه اليوم فقط، بل بما تملك القدرة على صناعته غدًا.‌‌ 

وفي قلب هذا السؤال يقف الإنسان؛ فهو البداية التي منها تنطلق النهضة، والقوة التي تُبنى بها الدول، والعقل‌‌ 

الذي يستطيع أن يحوّل الإمكان إلى إنجاز، والحلم إلى واقع. 

ومن هنا، فإن تمكين الشباب اقتصاديًا ليس مجرد سياسة تنموية، ولا برنامجًا مؤقتًا، ولا استجابة لتحديات‌‌ 

الحاضر؛ بل هو قرار استراتيجي يتعلق بالسؤال الأكبر: ‌‌من يملك الغد؟ 

إن المستقبل لا يُمنح لمن ينتظره، ولا يُكتب لمن يراقبه من بعيد، وإنما يكون لمن يمتلك أدواته، ويعرف كيف‌‌ 

يصنع فرصه، ويحوّل تحدياته إلى مساحات للابتكار والعمل. ولهذا، فإن تمكين الشباب يبدأ بمنحهم المعرفة،‌‌ 

والمهارة، والفرصة، لكنه لا ينتهي عند هذا الحد؛ لأن الغاية الأبعد هي أن يتحول الشاب من باحث عن فرصة‌‌ 

إلى صانع لها، ومن مستهلك للمعرفة إلى منتج لها، ومن متلقٍ للتنمية إلى شريك في صناعتها. 

فالتمكين الحقيقي هو أن نمنح الإنسان القدرة على الوقوف، ثم نمنحه المساحة ليخطو، ثم نثق به ليقود. 

وحين يحصل الشاب على فرصة عمل، فإن الأثر لا يتوقف عند دخله؛ بل يمتد إلى أسرته واستقرارها. وحين‌‌ 

يؤسس مشروعًا، فإنه لا يصنع مستقبله وحده، بل قد يفتح أبوابًا لغيره. وحين يحول فكرة إلى ابتكار، فإنه‌‌ 

يضيف إلى اقتصاد وطنه قيمة جديدة. وحين يمتلك المعرفة والتكنولوجيا، فإنه يصبح قادرًا على المنافسة في عالم‌‌ 

تتغير فيه قواعد القوة كل يوم. 

وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية: ‌‌ما بعد التمكين‌‌. 

فما بعد التمكين هو أن يصبح الشباب قوة اقتصادية منتجة، لا مجرد قوة تبحث عن وظيفة. وهو أن يتحول‌‌ 

الاقتصاد من سوق يستوعب الطاقات إلى اقتصاد تصنع فيه الطاقات أسواقًا جديدة. وهو أن ينتقل الشاب من‌‌ 

انتظار الفرصة إلى خلقها، ومن استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها، ومن متابعة المستقبل إلى المشاركة في رسمه. 

إن الرؤية الأبعد للتمكين يجب أن تتجاوز حدود الوظيفة إلى بناء اقتصاد المستقبل؛ اقتصاد المعرفة والابتكار‌‌ 

والرقمنة، اقتصاد يربط التعليم باحتياجات الصناعة، والبحث العلمي بحركة السوق، والفكرة بالاستثمار،‌‌ 

والمشروع الناشئ بفرصة النمو والمنافسة. 

وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار في الشباب استثمارًا في قوة الدولة ذاتها. فالدولة التي تمتلك جيلًا متعلمًا،‌‌ 

متمكنًا، مبتكرًا، وقادرًا على الإنتاج، لا تبني اقتصادًا أقوى فحسب، بل تبني مجتمعًا أكثر استقرارًا، وقدرة أكبر‌‌ 

على مواجهة الأزمات، واستعدادًا أوسع للمنافسة في عالم لا يتوقف عن التغير. 

لكن المستقبل لا يحتاج فقط إلى شباب قادرين على العمل، بل إلى شباب قادرين على ‌‌التأثير‌‌. وهنا تتسع دائرة‌‌ 

التمكين لتصل إلى المشاركة في صناعة القرار، وإلى منح الشباب مساحة حقيقية ليكونوا جزءًا من صياغة‌‌ 

السياسات التي تمس حاضرهم ومستقبلهم. فالشباب ليسوا فقط قوة تنفيذ، بل قوة تفكير، ورؤية، واقتراح، وابتكار. 

ومن هنا، فإن السؤال «من يملك الغد؟» لا يبحث عن إجابة فردية، بل عن مشروع وطني كامل. 

الغد يملكه من استثمر في الإنسان قبل أن يستثمر في الأشياء، ومن أدرك أن الثروة الحقيقية ليست فيما تحت‌‌ 

الأرض فقط، بل فيما يوجد في عقول أبنائها. يملكه من منح الشباب فرصة، ثم وثق بقدرتهم على تحويلها إلى‌‌ 

أثر. يملكه من لم ينظر إلى الشباب باعتبارهم جيلًا ينتظر المستقبل، بل باعتبارهم ‌‌جيلًا يصنعه‌‌. 

إن أعظم نجاح للتمكين هو أن نصل إلى اليوم الذي لا يصبح فيه الشاب محتاجًا إلى من يفتح له الطريق، لأنه‌‌ 

أصبح قادرًا على أن يفتح الطريق لغيره. وأن يتحول نجاح الفرد إلى قوة للمجتمع، وقوة المجتمع إلى قدرة للدولة،‌‌ 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.