محمد سامح حسونة يكتب | الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإنسان
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية متقدمة أو فكرة تنتمي إلى أفلام الخيال العلمي، بل أصبح واقعًا يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية بوتيرة غير مسبوقة. فمن الهواتف الذكية التي تقترح الكلمات قبل كتابتها، إلى المستشفيات التي تستخدم الخوارزميات في تشخيص الأمراض، مرورًا بالمصانع، والبنوك، والجامعات، ووسائل الإعلام، بات الذكاء الاصطناعي شريكًا في اتخاذ القرار، ومحركًا رئيسيًا للتحول الاقتصادي والاجتماعي. وبينما يرى البعض أنه بداية لعصر من الازدهار، يخشى آخرون أن يتحول إلى منافس للإنسان في سوق العمل، ليبقى السؤال الأهم: هل سيقود الذكاء الاصطناعي مستقبل الإنسان أم سيعيد تشكيله بالكامل؟وتكشف المؤشرات الدولية حجم هذا التحول. فوفقًا لتقرير PwC، من المتوقع أن يضيف الذكاء الاصطناعي نحو 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، وهو ما يعادل تقريبًا حجم الاقتصاد الصيني الحالي. وتشير الدراسة إلى أن نحو 6.6 تريليون دولار من هذه القيمة ستأتي نتيجة زيادة الإنتاجية، بينما ستنتج 9.1 تريليون دولار عن ارتفاع معدلات الاستهلاك وتحسين جودة المنتجات والخدمات، وهو ما يجعل الذكاء الاصطناعي أكبر محرك للنمو الاقتصادي خلال العقود المقبلة.ولا يقتصر تأثير هذه التقنية على الاقتصاد، بل يمتد إلى سوق العمل. فقد أوضح المنتدى الاقتصادي العالمي في تقرير “مستقبل الوظائف 2025” أن ما يقرب من 86% من أصحاب الأعمال يتوقعون أن تُحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات تحولًا جذريًا في أعمالهم قبل عام 2030. كما يتوقع التقرير أن يتم خلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة عالميًا، مقابل اختفاء 92 مليون وظيفة نتيجة الأتمتة، ليكون صافي الزيادة نحو 78 مليون وظيفة، مع تزايد الطلب على مهارات تحليل البيانات، والبرمجة، والأمن السيبراني، والهندسة، وإدارة الأنظمة الذكية.وفي القطاع الصحي، أحدث الذكاء الاصطناعي طفرة غير مسبوقة. فقد أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على تحليل الأشعة الطبية، والمساعدة في اكتشاف بعض أنواع السرطان، وأمراض القلب، واعتلال الشبكية، بدقة تضاهي أو تتجاوز في بعض الحالات الأداء البشري. كما تسهم الخوارزميات في تسريع اكتشاف الأدوية وتحليل ملايين السجلات الطبية خلال دقائق، وهو ما كان يستغرق سنوات من البحث والعمل.أما في قطاع التعليم، فقد أعاد الذكاء الاصطناعي صياغة مفهوم التعلم التقليدي، من خلال تقديم محتوى تعليمي يتناسب مع مستوى كل طالب، وتصحيح الاختبارات، وتحليل نقاط القوة والضعف، وتوفير مساعدين افتراضيين يعملون على مدار الساعة. وفي الصناعة، تعتمد المصانع الذكية على الروبوتات وأنظمة التعلم الآلي لرفع كفاءة الإنتاج، وتقليل الأخطاء، وخفض استهلاك الطاقة، بينما تستخدم المؤسسات المالية تقنيات الذكاء الاصطناعي في كشف عمليات الاحتيال وتحليل المخاطر واتخاذ القرارات الاستثمارية.ورغم هذه الفرص، فإن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يطرح تحديات لا يمكن تجاهلها. فهناك مخاوف متزايدة تتعلق بخصوصية البيانات، والتحيز الخوارزمي، وانتشار تقنيات التزييف العميق (Deepfake)، التي أصبحت قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو وأصوات يصعب تمييزها عن الحقيقة. كما حذرت منظمة اليونسكو من ضرورة وضع أطر أخلاقية وتشريعية تضمن استخدام الذكاء الاصطناعي بما يحافظ على حقوق الإنسان والشفافية والمساءلة.وفي مصر، يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي تطورًا ملحوظًا في إطار استراتيجية الدولة للتحول الرقمي. فقد أطلقت الحكومة الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، وتوسعت الجامعات في إنشاء كليات وبرامج متخصصة في علوم الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، إلى جانب إدماج التقنيات الذكية في الخدمات الحكومية، والرعاية الصحية، والتعليم، والزراعة، بما يعكس توجهًا نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.لكن الحقيقة التي تفرضها التجربة العالمية هي أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي دور الإنسان، بل سيغير طبيعة هذا الدور. فالوظائف الروتينية ستكون الأكثر عرضة للأتمتة، في حين ستزداد قيمة المهارات التي يصعب على الآلة تقليدها، مثل الإبداع، والتفكير النقدي، والقيادة، والذكاء العاطفي، واتخاذ القرارات المعقدة. ولذلك، لم يعد السؤال المطروح هو: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ بل أصبح: هل يمتلك الإنسان المهارات التي تمكنه من العمل جنبًا إلى جنب مع هذه التكنولوجيا؟إن مستقبل الإنسان لن تحدده الآلات وحدها، وإنما ستحدده قدرة المجتمعات على توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، واستثمار إمكاناته في خدمة التنمية، مع الحفاظ على القيم الإنسانية التي لا يمكن برمجتها. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، تظل وسيلة، أما الإنسان فسيبقى الغاية والهدف وصانع المستقبل.