د. نورا طارق معروف تكتب | فلسفة الردع المصري

0

من قرأ التاريخ زاد عقله… ليست مجرد حكمة مأثورة، بل مدخل لفهم سلوك الدول‌‌

وكيف تبني أمنها عبر الزمن. فالدولة التي تستوعب دروس تاريخها لا تكرر أخطاءها،‌‌

بل تعيد إنتاج أدواتها بما يتناسب مع طبيعة التهديدات المتغيرة. وفي الحالة المصرية،‌‌

يبدو هذا المعنى حاضرًا بوضوح؛ حيث لم يكن مفهوم القوة يومًا منفصلًا عن الوعي‌‌

التاريخي، بل امتدادًا حيًا له عبر آلاف السنين. عبر التاريخ المصري الممتد منذ عصور‌‌

الدولة القديمة وحتى الدولة المعاصرة، لم تكن القوة العسكرية مجرد أداة للغزو أو‌‌

التوسع، بل كانت في جوهرها وسيلة لحماية حدود الدولة ومنع الأخطار قبل وصولها‌‌

إلى قلب وادي النيل. فقد أدرك المصري القديم مبكرًا أن استقرار الداخل يبدأ من تأمين‌‌

الأطراف، وهو ما انعكس في الحملات المنظمة وبناء الحصون على التخوم والحدود‌‌

حيث ارتبطت شرعية الحكم بفكرة حماية الأرض وإقامة النظام، فكانت القوة أداة‌‌

توازن قبل أن تكون أداة صراع فاذا ما عدنا لتاريخنا خاصة فى عهد الملك سنوسرت‌‌

الثالث، تجلت هذه الفلسفة في حملاته إلى النوبة، والتي لم تكن مجرد توسع، بل‌‌

تأسيسًا لنظام ردع حدودي متكامل عبر السيطرة على الممرات الحيوية. وفي الدولة‌‌

الحديثة كانت معركة مجدو بقيادة تحتمس الثالث لتؤكد أن الحسم العسكري السريع‌‌

قد يكون أداة لإعادة فرض الردع، بينما جسدت معركة قادش في عهد رمسيس الثاني‌‌

مفهوم الردع المتبادل. أما في عهد رمسيس الثالث فقد مثّلت مواجهة شعوب البحر‌‌

نموذجًا متقدمًا للردع الدفاعي المتكامل القائم على منع الاختراق قبل حدوثه. هذا‌‌

الإرث لم يتوقف، بل امتد إلى التاريخ الحديث والمعاصر، فمن العدوان الثلاثي هذا‌‌

الإرث لم يتوقف، بل امتد إلى التاريخ الحديث، حيث شكل العدوان الثلاثي لحظة‌‌

فارقة في إعادة تعريف الردع المصري. فعلى الرغم من التفوق العسكري للتحالف‌‌

المعتدي، فإن إدارة الأزمة أثبتت أن الردع لا يقتصر على القوة العسكرية الصلبة فقط،‌‌

بل يشمل القدرة على توظيف السياسة الدولية، وحشد الإرادة الوطنية، وتحويل‌‌

الصمود إلى أداة ردع بحد ذاته. وقد أفرزت هذه التجربة وعيًا استراتيجيًا جديدًا‌‌

لدى الدولة المصرية، يقوم على أن الحفاظ على السيادة قد يتحقق عبر مزيج من القوة‌‌

العسكرية والشرعية السياسية. ثم جاءت حرب أكتوبر ‌‌1973‌‌ لتكون التطبيق العملي‌‌

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.