أحمد ياسر الكومي يكتب | رحيل “ليندسي جراهام”

0

شكّل رحيل السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام المفاجئ في 11 يوليو 2026 إثر أزمة قلبية،نهايةً لواحدة من أكثر المسيرات السياسية تأثيراً وإثارةً للجدل في السياسة الخارجية الأمريكية الحديثة. فعلى مدى أكثر من عقدين، لم يكن غراهام مجرد سيناتور عن ولاية كارولاينا الجنوبية، بل أصبح أحد أبرز المدافعين عن التدخل العسكري، والقيادة الأمريكية العالمية، وقبل كل شيء، الدعم غير المشروط لإسرائيل.

أثار رحيله نقاشاً هاماً من جديد. هل اختفى الرجل بينما لا تزال المبادئ التي دافع عنها راسخة في السياسة الأمريكية؟ أم أن وفاته تُنذر بالانحدار التدريجي لعصرٍ كان ينظر إلى القوة العسكرية والتحالفات الثابتة باعتبارهما الأداتين الرئيسيتين للنفوذ الأمريكي؟كانت إسرائيل محور سياسته الخارجية——–

قلّما ربط سياسيون أمريكيون أنفسهم بأمن إسرائيل بهذا القدر من القرب. طوال مسيرته في مجلس الشيوخ، جادل جراهام بأن إسرائيل حليف استراتيجي لا غنى عنه لأمريكا في الشرق الأوسط، وأن أمنها يخدم المصالح الوطنية الأمريكية بشكل مباشر.

سواءً تعلق الأمر بطموحات إيران النووية، أو المساعدات العسكرية لإسرائيل، أو الضغوط الدبلوماسية في الأمم المتحدة، نادراً ما كان غراهام يحيد عن هذا الموقف. فبعد هجمات حماس في أكتوبر 2023، دافع بشدة عن الحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة، ورفض الدعوات لجعل المساعدات العسكرية الأمريكية مشروطة بتغييرات في السياسة الإسرائيلية.

لماذا أصبح شخصية مثيرة للجدل في العالم الإسلامي—————لم يرتبط أي عضو في الكونجرس الأمريكي بالمؤسسة المؤيدة لإسرائيل في واشنطن ارتباطاً وثيقاً أكثر من  جراهام.

في معظم أنحاء العالم الإسلامي، تجاوزت الانتقادات الموجهة إلى غراهام مجرد خطاباته أو سجله التصويتي، إذ أصبح رمزاً لما اعتبره الكثيرون تطبيقاً انتقائياً من جانب أمريكا للقانون الدولي وحقوق الإنسان. فبينما أدانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الهجمات على المدنيين في نزاعات أخرى، جادل النقاد بأن واشنطن غالباً ما تتبنى معياراً مختلفاً عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.

عززت تصريحات جراهام العلنية هذا التصور. فقد أكد باستمرار على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكنه لم يولِ اهتماماً كافياً للعواقب الإنسانية التي يعاني منها الفلسطينيون.

خلال حرب غزة، أعادت صور الأحياء المدمرة والعائلات النازحة والضحايا المدنيين تشكيل الرأي العام في العالمين العربي والإسلامي. وفي ظل هذه الظروف، جعل دعم جراهام المطلق للعمليات العسكرية الإسرائيلية منه أحد أكثر السياسيين الأمريكيين تعرضاً للانتقاد في المنطقة.

إن دعمه لغزو العراق، ودعواته لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد إيران، وتأييده للحلول العسكرية في العديد من الأزمات الإقليمية، عزز صورة السياسي الذي يعتقد أن القوة الأمريكية يجب أن تُمارس بالقوة بدلاً من الدبلوماسية.وعلى الرغم من عدم وجود عقيدة رسمية تحمل اسمه، إلا أن غراهام روّج باستمرار لرؤية عالمية واضحة المعالم. وقد استندت هذه الرؤية إلى أربعة مبادئ: الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي الساحق، والحفاظ على تحالفات استراتيجية غير مشروطة، ومواجهة الخصوم من خلال الضغط بدلاً من التنازل، ومعاملة إسرائيل باعتبارها حجر الزاوية في استراتيجية أمريكا في الشرق الأوسط.

عكست هذه المقاربة الثقة التي شكلت جزءًا كبيرًا من واشنطن بعد الحرب الباردة. جادل جراهام بأن القوة العسكرية الأمريكية منعت نشوب صراعات أكبر وحافظت على الاستقرار العالمي.

أمريكا التي كانت تتغير بالفعل——

ومن المفارقات أن السنوات الأخيرة من حياة جراهام تزامنت مع تغييرات عميقة داخل الولايات المتحدة.

ظل الدعم لإسرائيل قوياً داخل الكونجرس، إلا أن الرأي العام الأمريكي أصبح منقسماً بشكل متزايد. فقد تساءل الناخبون الشباب، والعديد من الأكاديميين، ومنظمات المجتمع المدني، وعدد متزايد من السياسيين، عما إذا كان الدعم غير المشروط لإسرائيل يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية طويلة الأمد.

شهد الحزب الجمهوري نفسه تطوراً أيضاً. فبينما مثّل جراهام الجناح التدخلي التقليدي، عبّرت حركة “أمريكا أولاً” المتنامية عن شكوك أكبر تجاه الالتزامات الخارجية طويلة الأمد. وأشار هذا الانقسام الناشئ إلى أن الإجماع على السياسة الخارجية الذي دافع عنه غراهام بكل قوة لم يعد يحظى بالدعم المطلق الذي كان يتمتع به سابقاً.

في غضون ذلك، شهد الشرق الأوسط نفسه تغيرات. فقد وسّعت الصين نفوذها الدبلوماسي والاقتصادي، ونوّعت دول الخليج شراكاتها الدولية، واتجهت القوى الإقليمية بشكل متزايد نحو سياسات خارجية مستقلة. وأصبحت البيئة الاستراتيجية التي شكّلت رؤية جراهام للعالم أكثر تعقيداً بكثير من تلك التي كانت سائدة عندما انضم إلى الكونجرس لأول مرة.

هل سيبقى إرثه خالداً؟*******إن وفاة ليندسي جراهام تطوي صفحة مهمة في السياسة الأمريكية، لكنها لا تحسم الجدل الذي كان يمثله.

سيتذكره مؤيدوه كمدافع مبدئي عن القيادة الأمريكية وأمن إسرائيل. أما منتقدوه فسيتذكرونه كأحد أبرز رموز السياسة الخارجية التدخلية التي غالباً ما أعطت الأولوية للقوة العسكرية على الدبلوماسية، وبدت غير مبالية بمعاناة الفلسطينيين.

السؤال الأهم هو ما إذا كان القادة الأمريكيون المستقبليون سيستمرون في تبني الافتراضات التي طبعت مسيرة غراهام المهنية. فمع تزايد تعدد أقطاب القوة العالمية، وتطور الرأي العام داخل الولايات المتحدة، قد تجد واشنطن أن النفوذ لا يعتمد فقط على القوة العسكرية والتحالفات الاستراتيجية، بل أيضاً على المصداقية والاتساق والقدرة على كسب ثقة المجتمع الدولي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.