أحمد فكري زلط يكتب | كابوس الخطوط الوهمية

0

لم تعد شريحة الهاتف المحمول مجرد أداة للتواصل، بل أصبحت في العصر الرقمي بمثابة “هوية إلكترونية وتوقيع جنائي” يُنسب لصاحبه كافة التصرفات. ومن هذا المنطلق، فإن تسجيلها بطرق ملتوية ودون علم صاحبها الأصلي يتحول إلى “قنبلة موقوتة” تهدد حريات الأبرياء والأمن القومي للمجتمع.

ولعل الفاجعة الإنسانية والقانونية التي هزت الرأي العام مؤخراً—والمرتبطة بالمعاناة القاسية لـ «الطالب عمرو عمارة» بعد صدور أحكام قضائية ضده بسبب خط هاتف مُسجل برقمه القومي دون علمه أو استخدامه له—تضعنا جميعاً أمام مرآة الحقيقة لنتساءل بشجاعة: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ وهل القرارات التنظيمية الصادرة حتى الآن كافية لاجتثاث الأزمة؟

إن بؤرة هذه الظاهرة لا تكمن في التقنية ذاتها، بل في “تشوه المنظومة البيعية وغياب الحوكمة الصارمة”؛ حيث يدفع السباق المحموم على “التارجت” والعمولات بعض الموزعين فاقدي الضمير إلى تزوير عقود الخطوط باستغلال صور بطاقات الرقم القومي المتسربة. وتُباع هذه الشرائح فوراً لعصابات الجريمة الإلكترونية والنصب المالي، ليظل الجاني طليقاً، بينما يقع المواطن البريء تحت طائلة المساءلة!

وفي محاولة لاحتواء الهلع المجتمعي، خرج الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ببيانات تطمين شفهية بأن “عدم الاستخدام ينفي المسؤولية”. لكن الحقيقة القانونية المجردة أن المحاكم الجنائية تأخذ بقرينة “ملكية الخط” كدليل إدانة مبدئي، وتلقي بعبء إثبات عكس ذلك على المواطن في رحلة معقدة تستنزف حريته وسُمعته! إن تحميل المواطن مسؤولية التفتيش اليومي عبر تطبيق “My NTRA” يقلب الموازين؛ فالمواطن هو “المجني عليه” وليس الرقيب على بيئة مبيعات الشركات.

ولاحتواء هذه الأزمة، ينبغي الانتقال من “التنظيم والبيانات” إلى “الردع والمسؤولية التضامنية والتشريعات الحاسمة” عبر:

1. التوثيق الثلاثي الإجباري: حظر البيع خارج الفروع الرسمية، وربطه بالبصمة الحية ومطابقة الوجه وتوثيق بوابة مصر الرقمية.

2. المسؤولية الجنائية المباشرة للشركات: اعتبار الشركة والموزع “شريكاً في التزوير” أمام القضاء عند تفعيل خط دون حضور صاحبه.

3. تغليظ العقوبات التشريعية: تجريم تداول صور الرقم القومي وتصنيفها كجريمة تزوير في أوراق رسمية تستوجب السجن المشدد.

4. إشعار التأكيد المباشر (OTP): إرسال إشعار موثق للمواطن فور الشروع في تسجيل أي خط باسمه مع إمكانية الحظر الفوري.

إن الجمهورية الجديدة التي ترسي دعائم الحوكمة لا يمكن أن تسمح باستمرار وجود «بؤر للفساد وممارسات غير سليمة» تُداهِن الجشع التجاري على حساب أمن المجتمع. لقد حان الوقت لقرارات سيادية وتشريعات حازمة تضع شركات المحمول وموزعيها أمام مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية؛ فكرامة المواطن المصري وحريته يعلوان فوق أي أرباح أو مستهدفات مبيعات تجارية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.