أحمد شاهين يكتب | بين الظهور والإنجاز
في زمن كانت فيه قيمة الإنسان تُقاس بما يفعله، أصبحنا نعيش في زمن آخر تُقاس فيه قيمة ما يفعله الإنسان أحيانًا بمدى قدرة الآخرين على رؤيته.
لم يعد السؤال دائمًا: ماذا أنجزت؟
أصبح السؤال: كم شخصًا شاهد ما أنجزته؟
وهنا تبدأ المشكلة.
السوشيال ميديا لم تكن في حد ذاتها مشكلة، بالعكس، هي واحدة من أهم الأدوات التي أعطت الإنسان فرصة للتعبير عن نفسه والوصول إلى الآخرين، وفتحت أبوابًا لم تكن متاحة للأجيال السابقة.
لكن المشكلة لم تكن في الأداة، وإنما في الطريقة التي بدأنا نستخدمها بها.
شيئًا فشيئًا، أصبح الظهور جزءًا من تعريف النجاح.
شاب يشارك في فعالية، فيبدأ أول شيء في التفكير فيه ليس ما الذي تعلمه من الفعالية، وإنما كيف سيظهر في الصور.
وشخص يحصل على فرصة تدريبية، فيصبح نشر الخبر أهم من الاستفادة من التدريب نفسه.
وشخص يتولى مسؤولية، فيبدأ في تغيير صور حساباته وكتابة المسمى الجديد، قبل أن يسأل نفسه: ماذا سأقدم في هذا المكان؟
وبمرور الوقت، يتحول الإنسان من شخص يسعى إلى صناعة الإنجاز، إلى شخص يسعى إلى صناعة صورة عن الإنجاز.
وهذا فرق كبير.
الصورة ليست المشكلة
من المهم أن نقول إن الظهور ليس شيئًا سيئًا.
من حق أي إنسان أن يعلن عن نجاحه، وأن يشارك تجربته، وأن يبني لنفسه حضورًا عامًا.
بل إن القدرة على التواصل وصناعة المحتوى أصبحت مهارة مهمة في سوق العمل والحياة العامة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة أهم من الحقيقة.
عندما يصبح الإنسان مشغولًا بأن يبدو ناجحًا أكثر من انشغاله بأن يكون ناجحًا.
عندما يقيس نجاحه بعدد الإعجابات بدلًا من أثر ما يفعله.
عندما يصبح الهدف من المشاركة المجتمعية هو الصورة، ومن التدريب الشهادة، ومن العمل العام اللقب، ومن العلاقات عدد الأشخاص المعروفين في قائمة الأصدقاء.
هنا نفقد المعنى الحقيقي لكل شيء.
الإنجاز الحقيقي لا يحدث أمام الكاميرا دائمًا
أغلب الأشياء المهمة في حياة الإنسان تحدث بعيدًا عن الكاميرات.
الساعة التي قضيتها في التعلم.
الكتاب الذي قرأته ولم يعرف أحد عنه شيئًا.
المحاولة التي فشلت فيها ثم قررت أن تبدأ من جديد.
المشروع الذي عملت عليه شهورًا دون أن يصفق لك أحد.
الموقف الذي ساعدت فيه شخصًا دون أن تنشر عنه منشورًا.
هذه الأشياء قد لا تحقق ملايين المشاهدات، لكنها تبني الإنسان.
والإنسان الذي يعرف قيمة العمل الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى جمهور.
لأنه يفهم أن بعض الإنجازات يكفي أن يعرفها هو، ويعرفها ضميره، ويعرفها الله.
أخطر ما في الأمر هو خداع النفس
المشكلة الأكبر ليست أن تخدع الآخرين بصورة غير حقيقية.
المشكلة أن تبدأ في تصديق الصورة أنت.
أن تنشر عن نفسك أنك شخص مؤثر، فتتعامل مع نفسك باعتبارك مؤثرًا دون أن تسأل: ماذا أثرت فعلًا؟
أن تكتب عشرات الألقاب في سيرتك الذاتية، لكن عندما يأتي السؤال عن المهارات والخبرات الحقيقية لا تجد إجابة واضحة.
أن تجمع الشهادات، ولا تجمع المعرفة.
أن تجمع الصور، ولا تجمع الذكريات الحقيقية.
أن تجمع العلاقات، ولا تبني علاقة واحدة عميقة قائمة على الثقة.
وهنا يصبح الإنسان أسيرًا لصورة صنعها بنفسه.
نحن لا نحتاج إلى جيل مختفٍ
المطلوب ليس أن نختفي.
ولا أن نرفض السوشيال ميديا.
ولا أن نخجل من نجاحاتنا.
بالعكس، نحن نحتاج إلى شباب حاضر، قادر على التعبير عن نفسه، وقادر على استخدام أدوات العصر.
لكننا نحتاج إلى التوازن.
أن يكون الظهور نتيجة للإنجاز وليس بديلًا عنه.
أن تكون الصورة انعكاسًا للحقيقة، لا محاولة لصناعة حقيقة غير موجودة.
أن تكون الشهادة دليلًا على علم، لا مجرد ورقة.
أن يكون المنصب مسؤولية، لا مجرد لقب.
وأن تكون المشاركة المجتمعية فعلًا حقيقيًا، لا مجرد خلفية جيدة للصورة.
في النهاية، قد تستطيع أن تخدع خوارزميات مواقع التواصل، وقد تستطيع أن تحصل على آلاف المشاهدات، وربما تستطيع لفترة أن تقنع الناس بأنك شخص مختلف.
لكن هناك شخصًا واحدًا لن تستطيع أن تهرب منه:
أنت.
لذلك لا تجعل هدفك أن يراك الناس ناجحًا.
اجعل هدفك أن تكون ناجحًا حتى عندما لا ينظر إليك أحد.
لأن الظهور قد يصنع لك شهرة…
لكن الإنجاز وحده هو الذي يصنع لك قيمة.