عبدالرحمن أبوالريش يكتب | قبل انتخابات المحليات.. هل نحتاج إلى إطار وطني لتأهيل الكوادر؟
أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة، أهمية الإسراع في إصدار قانون الإدارة المحلية وإجراء انتخابات المجالس المحلية، باعتبارها ركيزة أساسية لاستكمال البناء المؤسسي والسياسي للدولة، وتفعيل الرقابة الشعبية على الأجهزة التنفيذية. ويؤكد هذا التوجه أن الدولة تنظر إلى المحليات باعتبارها أحد أهم أدوات التنمية وتحسين جودة الخدمات، وليس مجرد استحقاق دستوري.
ومع هذا التوجه، شهدت الساحة السياسية والمجتمعية حراكًا ملحوظًا من الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، التي بادرت إلى تنظيم برامج لتأهيل الشباب استعدادًا لخوض انتخابات المجالس المحلية. وهي جهود تستحق التقدير؛ لأنها تعكس إدراكًا متزايدًا بأهمية إعداد كوادر قادرة على تحمل مسؤولية العمل المحلي.
لكن يبقى السؤال الأهم: على أي أساس يتم هذا التأهيل؟
فالواقع يشير إلى أن كل مؤسسة أو حزب يضع برنامجه التدريبي وفق رؤيته واجتهاده، دون وجود إطار وطني موحد يحدد الحد الأدنى من المعارف والمهارات التي يجب أن يمتلكها عضو المجلس المحلي. فبينما تركز بعض البرامج على القيادة أو التواصل السياسي، تهتم أخرى بالعمل الحزبي أو التنمية المجتمعية، في حين قد يغيب التدريب المتخصص على طبيعة عمل المجالس المحلية واختصاصاتها وأدواتها الرقابية.
إن عضو المجلس المحلي ليس مجرد مرشح انتخابي، بل مسؤول منتخب يمارس دورًا رقابيًا وتنمويًا، ويتعامل مع ملفات تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. ولذلك، فإن تأهيله يجب أن يشمل فهم قانون الإدارة المحلية، واختصاصات المجالس، وآليات الرقابة على الأجهزة التنفيذية، وإعداد الخطط المحلية، وقراءة الموازنات، إلى جانب مهارات التواصل مع المواطنين وأخلاقيات العمل العام.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من تعدد الاجتهادات إلى رؤية وطنية موحدة لتأهيل كوادر المحليات، تشارك في إعدادها الجهات المعنية بالدولة، بالتعاون مع الأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والجامعات، والخبراء المتخصصين في الإدارة المحلية. كما ينبغي أن تجمع هذه الرؤية بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي، حتى يصبح التدريب قادرًا على إعداد كوادر تمتلك المعرفة والمهارة معًا.
إن المبادرات الحالية تمثل بداية مهمة، لكنها ستكون أكثر تأثيرًا إذا استندت إلى معايير واضحة تضمن توحيد جودة التأهيل، بعيدًا عن اختلاف المناهج والبرامج. فنجاح انتخابات المحليات لن يقاس فقط بإجرائها، وإنما بقدرة المجالس المنتخبة على ممارسة دورها بكفاءة وتحقيق تطلعات المواطنين.
إن الاستثمار الحقيقي ليس في إعداد مرشحين للانتخابات، بل في بناء كوادر محلية تمتلك الكفاءة والوعي والمسؤولية، لأن نجاح المحليات يبدأ من جودة التأهيل قبل أن يبدأ من صناديق الاقتراع.