د. رامي جلال يكتب | المولد النبوي.. تجدد النور في الثقافة المصرية

0

في الثاني عشر من ربيع الأول، تعود إلى مصر والعالم الإسلامي ذكرى مولد النبي محمد (ص)؛ وهي مناسبة دينية بقدر ما أصبحت، عبر القرون، جزءًا من الذاكرة الثقافية للمجتمعات الإسلامية. وفي مصر على وجه الخصوص، لا يأتي المولد مجرد تاريخ على التقويم، وإنما موسم له ألوانه وأصواته ومذاقه وطقوسه؛ الحلوى في واجهات المحال، والمدائح والابتهالات، وحلقات الذكر، واجتماع الأسر، والفرح الذي يتسلل إلى المساجد والبيوت والشوارع. وكأن الثقافة المصرية، كل عام، تعيد صياغة الذكرى بلغتها الخاصة.

ارتباط المولد بالنور ليس مجرد صورة بلاغية؛ فالقرآن وصف النبي (ص) بأنه «سراجًا منيرًا». وبالرسالة التي حملها انتقلت جزيرة العرب من عبادة الأصنام إلى توحيد الله، ومن عصبيات القبيلة وتناحرها إلى معنى أوسع للأمة، ومن ممارسات امتهنت الإنسان إلى منظومة جعلت لكرامته مكانًا أصيلًا في الدين والمجتمع. لكن تأثير الرسالة لم يبقَ حبيس العقيدة وحدها، بل امتد إلى الثقافة والأخلاق وأنماط الاجتماع، وصنع على امتداد قرون حضارة تركت آثارها في الأدب والفنون والعمارة والموسيقى واللغة والحياة اليومية.

وكان هذا النور رحمة أيضًا. يقول تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين». لم تكن الرسالة حكرًا على قوم بعينهم، ولا الرحمة مقصورة على زمن أو مكان. وفي سيرة النبي (ص) تتجسد الرحمة في التعامل مع الضعيف والمخالف والطفل والمرأة، وفي العفو عند المقدرة، وفي تحويل الأخلاق من مواعظ تقال إلى سلوك يُمارس. ومن هنا تحولت هذه القيم، مع مرور الزمن، إلى جزء من المخزون الأخلاقي والثقافي للمجتمعات التي استلهمت السيرة النبوية في تصورها لمعاني الرحمة والتكافل والتسامح.

لهذا يبقى المولد تذكيرًا بالقدوة قبل أن يكون مجرد احتفال بالذكرى. فعندما وصف القرآن النبي (ص) بأنه «على خُلُق عظيم»، لم يكن يقدم وصفًا مجردًا لإنسان بعيد عن واقع البشر، بل يقدم نموذجًا عاش بينهم؛ مارس السياسة، وقاد المجتمع، وعرف الحرب والسلم، والنصر والهزيمة، والخصومة والمصالحة، وظل في كل ذلك إنسانًا يمكن الاقتداء بخُلقه. كانت عظمته في أنه أصبح أسوة، لا أسطورة بعيدة لا يمكن الاقتراب منها.

في ذكرى الميلاد معنى آخر لا يقل أهمية، وهو الرجاء. فالتغييرات الكبرى كثيرًا ما تبدأ من لحظات تبدو صغيرة للغاية؛ طفل يولد في مكة، ثم رجل يتلقى الوحي وحيدًا في غار، ثم نفر قليل يؤمنون بما جاء به، فإذا بالتاريخ بعد سنوات يقف أمام عالم جديد. وفي ذلك درس لا يفقد صلاحيته: أن الصبر والإيمان والعمل يمكن أن تصنع من البدايات المحدودة تحولات تتجاوز أصحابها وأزمنتهم.

لكن للمولد النبوي في مصر خصوصية إضافية؛ لأن المصريين لم يكتفوا بحفظ المناسبة، بل صنعوا لها عبر القرون لغة ثقافية كاملة. أصبحت الحلوى جزءًا من الذاكرة، وعروسة المولد وحصانه علامتين بصريتين يعرفهما الطفل قبل أن يعرف تاريخهما، وأصبحت المدائح والابتهالات لونًا أصيلًا من ألوان التعبير الموسيقي والديني، كما ارتبطت المناسبة بالمجالس والموالد والتجمعات الشعبية التي مزجت بين التعبد والفرح والتواصل الاجتماعي.

هنا تكمن قوة الثقافة؛ فهي تحول الأحداث إلى أشياء نراها ونسمعها ونتذوقها ونمارسها. ولا تكتفي فقط بحفظها في الكتب. لذلك بقي المولد حيًا في الوجدان المصري، لا باعتباره صفحة من السيرة فقط، وإنما باعتباره جزءًا من التراث غير المكتوب الذي تتناقله الأجيال. قد تتغير أشكال الاحتفال، وقد تتبدل الأذواق والعادات، لكن تبقى الحلوى والمديح والتهنئة والاجتماع علامات تستدعي المعنى نفسه عامًا بعد عام.

امتلكت الثقافة الشعبية المصرية دائمًا قدرة خاصة على تحويل المناسبات الدينية إلى مساحات للتواصل الإنساني. فالمولد لا يبقى حبيس المسجد أو كتب السيرة، بل يخرج إلى الشارع والبيت والأسرة، فيصبح التدين ممزوجًا بالفرح، والذكر ممزوجًا بالاجتماع، والمحبة مرتبطة بعادات صغيرة تصنع في مجموعها ذاكرة مجتمع بأكمله.

لهذا تحمل المناسبة أيضًا معنى الانتماء. ففي بلد تختلف فيه الأفكار والمشارب والانتماءات، يظل المولد من تلك الأيام التي يستطيع المصريون أن يجتمعوا فيها حول مساحة واسعة من الوجدان المشترك؛ يشترون الحلوى لأطفالهم، ويتبادلون التهنئة، وتعلو المدائح والابتهالات، ويتذكر الجميع، ولو لساعات، أن الثقافة قادرة أحيانًا على بناء مساحات مشتركة أوسع من الخلاف.

للفرح بالمولد أصل في السيرة نفسها؛ فعندما سُئل النبي (ص) عن صيام يوم الاثنين قال: «ذلك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت أو أُنزل عليَّ فيه». وفي الحديث معنى يتجاوز الصيام نفسه؛ أن الإنسان لا ينسى الأيام التي حملت إليه النعمة، وأن الذاكرة ليست استدعاءً للماضي فحسب، وإنما وسيلة لإعادة إحياء معانيه في الحاضر.

مع تسارع الأخبار، وتلاحق الأزمات، واشتداد الخلافات، يأتي المولد النبوي كل عام كمساحة لاستعادة شيء نفتقده كثيرًا: السكينة. وربما كانت هذه إحدى أهم وظائف الثقافة نفسها؛ أن تمنح المجتمع، وسط ضجيج اللحظة الراهنة، فرصة للعودة إلى رموزه الجامعة وقيمه الكبرى وذاكرته المشتركة.

لذلك ربما لا تكون أجمل طريقة للاحتفال بالمولد أن نكتفي بالحلوى والتهاني، وإنما أن نحافظ أيضًا على المعنى الذي صنع هذه الطقوس وأبقاها حية؛ الرحمة، والعفو، والصدق، والأمانة، وحسن الخلق. فالثقافة لا تعيش بمجرد المحافظة على أشكالها، وإنما ببقاء القيم التي أعطت لهذه الأشكال معناها.

هكذا يتجدد النور كل عام؛ في الذكرى، وفي المديح، وفي الحلوى، وفي اجتماع الناس، وفي ذاكرة ثقافية مصرية عرفت كيف تجعل من المناسبة الدينية جزءًا حيًا من وجدانها. والاحتفال الحقيقي بالنور لا يكون فقط بأن نتذكر يوم ظهوره، بل بأن نحاول أن يبقى منه شيء فينا.

كل عام ومصر بخير وسلام، ومولد نبوي شريف سعيد على الجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.