محمد حوام يكتب | كاميرا الموبايل.. سلطة موازية
في السنوات الأخيرة، تغير شكل الخلاف بين المواطن والمؤسسة بشكل واضح. زمان كان المواطن يشتكي، ينتظر، يقدم تظلمًا، وربما يظل يبحث عن طريق يصل به إلى حقه. أما اليوم، فأصبح هناك طريق آخر أسرع بكثير: يخرج المواطن هاتفه، يفتح الكاميرا، ويبدأ في تسجيل ما يحدث.
ثوانٍ قليلة، وقد تتحول المشكلة من موقف داخل مكتب أو مصلحة إلى حديث على مواقع التواصل الاجتماعي.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.
هل أصبحت كاميرا الموبايل وسيلة جديدة لحماية المواطن؟ أم أنها تحولت تدريجيًا إلى **سلطة موازية داخل المؤسسة**؟
الحقيقة أن الكاميرا في حد ذاتها ليست المشكلة. فحين يتعرض مواطن لتجاوز أو معاملة غير لائقة، يمكن أن يكون التوثيق وسيلة مهمة لإثبات الواقعة، خصوصًا إذا كان المواطن يشعر أن كلامه وحده لن يكون كافيًا.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التصوير من وسيلة لتوثيق الحقيقة إلى وسيلة للضغط.
«هصورك وأنشر الفيديو».
جملة أصبحت تتردد كثيرًا في الخلافات اليومية، وكأن النشر على مواقع التواصل أصبح بديلًا عن الشكوى الرسمية، وكأن الوصول إلى الترند أصبح أسرع من الوصول إلى الجهة المختصة.
وهنا نحن أمام خط فاصل يجب ألا نتجاوزه.
من حق المواطن أن يطالب بحقه، ومن حقه أن يبحث عن وسيلة تثبت ما تعرض له، لكن ليس من حق أي شخص أن يجعل الكاميرا أداة للتشهير أو الإدانة قبل معرفة الحقيقة كاملة.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول فكرة «الحفاظ على هيبة المؤسسة» إلى مبرر لمنع المواطن من توثيق تجاوز حقيقي.
المعادلة ببساطة يجب أن تكون واضحة: **لا مواطن فوق القانون، ولا موظف فوق المساءلة.**
المؤسسة القوية ليست المؤسسة التي تخاف من الكاميرا، بل المؤسسة التي لا تخشى أن تظهر الحقيقة داخلها.
والموظف المحترم لا يحتاج إلى الخوف من تصويره طالما أنه يؤدي عمله وفق القانون ويحترم المواطن.
لكننا في الوقت نفسه بحاجة إلى وعي مجتمعي بأن مواقع التواصل ليست محكمة، وأن ملايين المشاهدات لا تعني بالضرورة أن صاحب الفيديو هو صاحب الحق.
فقد يصور المواطن نصف القصة، ويترك النصف الآخر خارج الكادر.
وقد يظهر الموظف مخطئًا في لحظة، بينما تكون هناك تفاصيل سبقت المشهد لا يعرفها أحد.
وهنا تكمن خطورة «المحاكمة الرقمية».
لقد منح الهاتف المواطن قوة لم تكن موجودة من قبل، وهذه القوة يجب أن تُستخدم بعقل ومسؤولية. لأننا إذا جعلنا كل خلاف يبدأ بالكاميرا وينتهي بالترند، فنحن لا نبني مجتمعًا أكثر عدلًا، وإنما نستبدل سلطة قديمة بسلطة جديدة.
**القانون يجب أن يظل هو الحكم، والكاميرا يجب أن تظل شاهدًا.**
فالتكنولوجيا يمكن أن تحمي الحق، لكنها لا يجب أن تتحول إلى وسيلة لصناعة حق جديد بمجرد أن يكون صاحبه أسرع في التصوير والنشر.
وفي النهاية، القضية ليست: «هل نصور أم لا؟»
القضية الحقيقية هي:
**هل نستخدم الكاميرا لكشف الحقيقة.. أم أصبحنا نستخدم الحقيقة نفسها لصناعة ترند؟**