أحمد شادي يكتب | صحوة قبل فوات الأوان

0

لماذا تغيرنا بهذه السرعة؟ ولماذا أصبحنا نتخلى عن ثوابت كانت يومًا سببًا في قوة المجتمع وتماسكه؟ متى أصبحت قيمة الإنسان تُقاس بعدد المشاهدات والإعجابات، لا بعدد المواقف والمبادئ؟ وكيف وصل بنا الحال إلى أن نلهث خلف كل جديد، حتى وإن كان بلا قيمة، ونختلف على أبسط العادات التي كانت تجمعنا، من طريقة الطعام، إلى أسلوب التربية، إلى مفهوم الاحترام نفسه؟أصبحنا نعيش في زمن يُكافأ فيه المثير أكثر من المؤثر، ويُسمع فيه صوت الترند أكثر من صوت الحكمة. أصبح البعض يسخر من كل شيء، حتى من الأحداث التي تستوجب الوقوف مع النفس ومراجعة الحسابات. عندما يقع زلزال، أو كارثة، أو حادث يهز القلوب، ينشغل كثيرون بالنكات والتعليقات الساخرة، وكأن الرسائل التي يرسلها الله إلى عباده لم تعد تجد قلوبًا تتدبرها. لسنا مطالبين بأن نفسر كل حدث على أنه عقاب، لكننا مطالبون بأن نتعظ، وأن نراجع أنفسنا، لا أن نحول كل شيء إلى مادة للضحك.لقد اتفقت الأديان السماوية على أن صلاح الإنسان يبدأ من صلاح قلبه وتمسكه بالقيم. فالقرآن الكريم يدعو إلى الاعتصام بالحق، وصلة الرحم، وبر الوالدين، وحسن الخلق، ويحذر من الانجراف خلف الهوى والغفلة. والإنجيل يدعو إلى المحبة، والتواضع، وتجديد الفكر، وعدم التشبه بما يفسد الإنسان، بل السعي إلى ما يسمو بروحه وأخلاقه. ورغم اختلاف الشرائع في بعض الأحكام، فإنها تلتقي جميعًا على أن الأخلاق ليست رفاهية، بل أساس بقاء المجتمعات.أما العلم، فلم يعد يختلف مع هذه الحقيقة. فالدراسات الحديثة تؤكد أن المجتمعات الأكثر ترابطًا أسريًا، والأكثر احترامًا للقيم، هي الأقل في معدلات الجريمة، والأكثر استقرارًا نفسيًا، وأن الإفراط في مقارنة النفس بالآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي يزيد من القلق والاكتئاب والشعور بعدم الرضا. نحن لا نعاني من نقص في التكنولوجيا، بل من نقص في استخدامها بحكمة.ومن منظور التنمية البشرية، فإن النجاح الحقيقي لا يصنعه الترند، ولا الشهرة العابرة، وإنما تصنعه الشخصية المتزنة التي تعرف من تكون، وإلى أين تريد أن تصل. الإنسان الذي يمتلك مبادئ واضحة لا تهزه كل موجة، ولا يغيره كل رأي، ولا يبيع قناعاته من أجل لحظة إعجاب أو تصفيق مؤقت.رسالتي إلى شباب اليوم: لا تجعلوا هواتفكم تربيكم أكثر من آبائكم، ولا تسمحوا للخوارزميات أن تشكل عقولكم بدلًا من العلم والتجربة. اقرأوا، تعلموا، احترموا الكبار، تمسكوا بعائلاتكم، وافتخروا بأصولكم، فالجذور القوية هي التي تصنع الأشجار التي تقاوم العواصف.ورسالتي إلى الآباء والأمهات: لا تتركوا أبناءكم وحدهم أمام عالم يغير أفكارهم كل دقيقة. ازرعوا فيهم الدين قبل الجدل، والأخلاق قبل النجاح، والرحمة قبل المنافسة، لأن ما يغرس في الصغر يبقى أثره في الكبر.أما رسالتي إلى الأجيال القادمة، فإذا قرأتم هذه الكلمات يومًا، فتذكروا أن الحضارات لا تسقط بسبب الفقر فقط، بل تسقط عندما تنسى هويتها، وتستبدل المبادئ بالمصالح، والاحترام بالسخرية، والعلم بالضجيج.وفي النهاية، هذه ليست دعوة للعودة إلى الماضي ورفض الحاضر، وليست حربًا على التطور أو التكنولوجيا، بل دعوة لأن نأخذ من الحاضر ما ينفعنا، ونحافظ من الماضي على ما صنع هويتنا. فالتقدم الحقيقي لا يكون بالتخلي عن الأخلاق، بل بالبناء عليها.ونصيحتي لوجه الله: راجع نفسك قبل أن تراجع غيرك، وأصلح قلبك قبل أن تنتقد المجتمع، واذكر أن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، وأن ما يبقى للإنسان ليس عدد متابعيه، بل أثره الطيب، وأخلاقه، وعمله الصالح. فلا تجعل الترند يقود حياتك، واجعل ضميرك، ودينك، وقيمك، هي البوصلة التي لا تخطئ الطريق. فالثوابت ليست قيودًا تعطلنا، بل جذورًا تحفظنا من السقوط.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.