عبدالرحيم خطاب يكتب | المولد النبوي بين الذكرى والواقع

0

‌تطل علينا ذكرى المولد النبوي الشريف في كل عام فتضيء أنوار السيرة العطرة في قلوب المسلمين وتعيد إلى الوجدان سيرة خير من ‌

‌وطئت قدماه الأرض نبينا محمد ﷺ الذي بعثه الله رحمة للعالمين وحاملًا للرسالة الخاتمة التي أخرجت البشرية من ظلمات الجهل إلى ‌

‌نور الهدى والحق.‌ 

‌غير أن هذه المناسبة المباركة بما تحمله من سمو روحي ودلالات إيمانية عميقة تضع أمامنا سؤالا أكبر من مجرد كيفية الاحتفال بها وهو ‌

ماذا بقي من سيرة النبي ﷺ في حياتنا؟ 

‌ وكيف يمكن أن تتحول محبتنا له من مشاعر صادقة إلى سلوك ومنهج؟‌ 

‌إن سمو هذه الذكرى يستمد جوهره من شخصية الرسول الكريم ﷺ الذي لم يكن مجرد مبلغ للرسالة وإنما كان نموذجًا متكاملًا للإنسان ‌

الذي يجمع بين العبادة والعمل وبين القوة والرحمة  وبين الحزم والعفو وبين الإيمان والإعمار 

‌لقد بنى النبي ﷺ الإنسان قبل أن يبني المجتمع وربى النفوس على الصدق والأمانة وأرسى قواعد العدل والتكافل، وجعل الأخلاق جزءا ‌

أصيلًا من حقيقة الدين 

‌ولهذا فإن الاحتفاء الحقيقي برسول الله ﷺ لا ينبغي أن يتوقف عند مظاهر البهجة والسرور فحسب ولا عند الكلمات التي نتداولها في ‌

هذه المناسبة وإنما ينبغي أن يظهر أثره في تفاصيل حياتنا 

فماذا يعني أن نحتفل بمولد من عُرف بالصادق الأمين ثم نتهاون في الصدق والأمانة؟ 

وماذا يعني أن نتحدث عن رحمته ﷺ، ثم نقسو على من يختلف معنا؟ 

وماذا يعني أن نُكثر من الحديث عن إتقانه وعمله ثم نقبل بالتقصير والإهمال في أعمالنا؟ 

‌إن محبة النبي ﷺ ليست مجرد عاطفة تسكن القلب وشوقا يمس شغافها فحسب   وإنما مسؤولية تفرضها هذه المحبة على صاحبها ‌

‌فمن أحب إنسانًا حقًا حرص على الاقتداء به واستحضر أخلاقه في مواقفه وجعل سيرته ميزانًا يراجع به نفسه …‌ 

‌فالسيرة النبوية ليست مجرد أحداث تاريخية نرويها وإنما مدرسة متكاملة يمكن أن نستمد منها حلولًا لكثير من أزمات حاضرنا ‌ 

في زمن تتسع فيه دائرة الفردية نحتاج إلى روح التكافل التي جسدها النبي ﷺ 

وفي زمن تنتشر فيه القسوة والتنمر نحتاج إلى رحمته 

وفي زمن تتراجع فيه الثقة نحتاج إلى أمانته 

وفي زمن يكثر فيه الصراع والاستقطاب نحتاج إلى حكمته في إدارة الاختلاف 

‌وفي زمن يسود فيه الاستسهال والتقصير نحتاج إلى ثقافة الإتقان التي كان يمثلها في أقواله وأفعاله.‌ 

‌والأهم من ذلك كله أننا بحاجة إلى إعادة اكتشاف النبي ﷺ بوصفه قدوة قابلة للاقتداء في واقعنا المعاصر فالشاب يستطيع أن يجد في ‌

‌سيرته نموذجًا في الطموح والمسؤولية والموظف يجد فيه نموذجًا في الإخلاص، والقائد يجد فيه  نموذجًا في العدل والأب نموذجًا في ‌

‌الرحمة والتربية،والمعلم نموذجًا في الصبر  وكل إنسان يستطيع أن يجد في سيرته ما يعينه على أن يكون إنسانًا أفضل.‌  

ربما يكون الاحتفال الحقيقي أن يخرج إنسان من هذه الذكرى وقد قرر أن يترك عادة سيئة 

وربما يكون في أن يرد شخص مظلمة إلى صاحبها 

أو أن يسامح إنسانًا أساء إليه 

أو أن يؤدي موظف عمله بإخلاص 

أو أن يقرر شاب أن يجعل العلم والعمل طريقه لبناء مستقبله 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.