د. محمد السيد سالم يكتب | تعدد الشراكات الاستراتيجية وتحقيق التوازن الدولي
في عالم تتغير فيه موازين القوى الدولية بوتيرة متسارعة، لم تعد العلاقات الدولية تُبنى
بالضـرورة على التحالفات التقليدية وحدها، بل أصبحت الدول تسعى إلى توسيع شبكة
شراكاتها، وتنويع مصادر القوة والدعم والاستثمار والتكنولوجيا، وفي قلب هذا التحول تعد
مصـر واحدة من الدول التي تتبنى بصورة متزايدة سياسة تقوم على تعدد الشـراكات وتنوع
مراكز العلاقات الدولية، وتتحرك القاهرة في مساحات متوازية تجمع بين أوروبا والولايات
المتحدة من جهة، وروسيا والصين والهند ودول الجنوب العالمي من جهة أخرى، إلى جانب
علاقاتها العربية والإفريقية والمتوسطية، ويعكس هذا النهج محاولة لزيادة هامش الحركة
الاستراتيجية، في بيئة دولية شديدة الاستقطاب.
و تعد السياسة المصـرية الحالية أقرب إلى التوازن بين القوى الكبرى، فالقاهرة تحتاج إلى
الاستثمارات الأوروبية، وتحافظ على التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، وتوسع
التعاون مع روسيا والصين والهند، وتستفيد من عضوية بريكس، في الوقت الذي تعزز فيه
علاقاتها العربية والإفريقي، وهذه السياسة تمنح مصـر عدة مزايا منها تنويع الاستثمارات،
وتوسيع الأسواق أمام الصادرات، والحصول على التكنولوجيا والخبرات من مصادر
مختلفة، ورفع القدرة على المناورة السياسية، وتقليل مخاطر الاعتماد المفرط على شريك
واحد، فكلما ازدادت المنافسة بين القوى الكبرى، أصبح الحفاظ على علاقات متوازنة معها
أكثر تعقيداً، خصوصاً في ملفات مثل الطاقة والأمن والتسليح والحروب الإقليمية، ولا يمكن
فهم شبكة الشـراكات المصـرية من دون التوقف أمام قناة السويس والمنطقة الاقتصادية
المرتبطة بها، ولهذا تسعى القاهرة إلى تحويل الموقع الجغرافي إلى قاعدة للاستثمار
والتصنيع والتصدير، وليس مجرد ممر ملاحي، ويظهر ذلك في استقطاب استثمارات روسية
وصينية وأوروبية وغيرها إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
و تحتل الصين موقعاً مهماً في استراتيجية مصـر لتنويع العلاقات الاقتصادية، ويشكل
التعاون في البنية التحتية والصناعة والطاقة والاتصالات والنقل أحد المحاور الأساسية
للعلاقة، فيما تمنح المنطقة الاقتصادية لقناة السويس الصين فرصاً إضافية للاستثمار
والإنتاج، وبذلك لا تنظر القاهرة إلى الصين باعتبارها بديلاً عن أوروبا أو الولايات المتحدة،
وإنما باعتبارها مكونات إضافية لشبكة أوسع من العلاقات.
على الضفة الأخرى، تمثل روسيا أحد أبرز مكونات شبكة الشـراكات المصـرية خارج
المنظومة الغربية، وتتخذ العلاقة طابعاً استراتيجياً متعدد الأبعاد، يجمع بين السياسة والطاقة
والصناعة والتجارة والتعاون العسكري، ويأتي مشـروع محطة الضبعة النووية في مقدمة
المشـروعات الاستراتيجية التي تعكس عمق التعاون المصـري الروسي، إلى جانب المنطقة
الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ولا يقتصـر البعد الروسي على
العلاقة الثنائية، فعضوية مصـر في بريكس تفتح قناة إضافية للتعاون مع موسكو وغيرها من
الاقتصادات الصاعدة، وتمنح القاهرة مساحة أوسع لتعزيز التعاون مع الاقتصادات الناشئة.
و تظل الولايات المتحدة طرفاً رئيسياً في المعادلة المصـرية، خصوصاً في المجالات الأمنية
والعسكرية والدبلوماسية، وهنا تظهر خصوصية السياسة المصـرية التنويع لا يعني القطيعة
فالقاهرة تحافظ على علاقاتها مع واشنطن، وفي الوقت نفسه توسع علاقاتها مع موسكو
وبكين ونيودلهي والعواصم الأوروبية ودول الخليج وإفريقيا وآسيا، وتمنح هذه السياسة
مصـر مساحة أكبر للمناورة، بحيث لا تصبح علاقاتها الخارجية مرهونة بشريك واحد أو
بمنظومة واحدة.
في النهاية، لا تكمن أهمية السياسة متعددة الأقطاب التي تنتهجها مصـر في عدد الشـركاء
وحده، وإنما في قدرة القاهرة على إدارة التوازن بينهم، واستثمار التنافس الدولي لخدمة
التنمية والأمن والمصالح الوطنية، مع الحفاظ على استقلالية القرار المصري في منطقة تتغير
خرائط القوة فيها بصورة متسارعة.