د. محمود إبراهيم السمان يكتب | مصر والصين.. شراكة للمستقبل

0

في العلاقات الدولية، لا تُقاس قوة الشراكات بطول عمرها فقط، وإنما بقدرتها على صناعة المستقبل. وبعد نحو سبعة عقود من العلاقات المصرية الصينية، تبدو القاهرة وبكين أمام مرحلة جديدة تتجاوز حدود الصداقة التاريخية والتعاون التقليدي، لتفتح الباب أمام شراكة اقتصادية وإنتاجية أكثر عمقًا وتأثيرًا.فمصر، بما تمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي يربط بين قارات العالم، وقوة بشرية كبيرة، وسوق واسعة، وشبكة من الاتفاقيات التجارية، تستطيع أن تكون شريكًا محوريًا للصين في المنطقة، وبوابة مهمة للمنتجات والاستثمارات الصينية إلى الأسواق الأفريقية والعربية.وفي المقابل، تمتلك الصين خبرات صناعية وتكنولوجية واستثمارية هائلة، تجعلها شريكًا مهمًا لمصر في مسيرة التحول الاقتصادي، خاصة في مجالات التصنيع، والبنية الأساسية، والطاقة، والنقل، واللوجستيات، والتحول الرقمي، والتكنولوجيا الحديثة.لكن السؤال الأهم ليس: كم يبلغ حجم التعاون بين مصر والصين؟وإنما: ما القيمة التي تستطيع مصر أن تضيفها إلى اقتصادها من هذا التعاون؟من الاستيراد إلى الإنتاجهذه هي النقطة الجوهرية التي يجب أن تحكم المرحلة المقبلة.فالتعاون الاقتصادي الناجح لا ينبغي أن يقتصر على استيراد المنتجات والتكنولوجيا، وإنما يجب أن ينتقل إلى مرحلة أكثر تقدمًا تقوم على الإنتاج المشترك، وتوطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، وتطوير المهارات المصرية، وزيادة القدرة على التصدير.مصر لا تحتاج فقط إلى استثمارات أجنبية، وإنما تحتاج إلى استثمارات تصنع قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد، وتخلق فرص عمل مستدامة، وتساعد على بناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة.ومن هنا، فإن جذب الشركات الصينية إلى السوق المصرية يجب أن يرتبط بصورة أكبر بإنشاء سلاسل إنتاج محلية، وزيادة نسبة المكون المحلي، وتدريب العمالة المصرية، ونقل المعرفة الفنية والإدارية، وربط الإنتاج بالأسواق الخارجية.التكنولوجيا.. مفتاح التحولولعل التكنولوجيا هي الحلقة الأكثر أهمية في هذه الشراكة.فالعالم لم يعد يقيس قوة الاقتصادات فقط بحجم ما تنتجه، وإنما بمدى قدرتها على استخدام التكنولوجيا لزيادة الإنتاجية وخفض التكلفة وتحسين الجودة.ومصر أمام فرصة حقيقية للاستفادة من التجربة الصينية في مجالات الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والصناعات المتقدمة، والطاقة الجديدة، والمدن الذكية.لكن نقل التكنولوجيا لا يعني شراء المعدات فقط، وإنما يعني امتلاك المعرفة التي تقف خلفها، وتدريب الإنسان القادر على تشغيلها وتطويرها، ثم الانتقال تدريجيًا من مرحلة الاستخدام إلى مرحلة الابتكار.وهنا يصبح الإنسان المصري هو العنصر الحاسم في نجاح هذه الشراكة.مصر.. بوابة الصين إلى أفريقياالميزة المصرية لا تتوقف عند السوق المحلية.فالموقع الجغرافي لمصر يمنحها فرصة لتكون مركزًا إقليميًا للتصنيع والتصدير، خصوصًا مع اتساع الأسواق الأفريقية والعربية، وما تمتلكه مصر من بنية تحتية وموانئ وممرات تجارية واتفاقيات تسمح للمنتجات المصنعة في مصر بالوصول إلى أسواق متعددة.وهذا يعني أن الاستثمار الصيني في مصر يمكن ألا يكون موجهًا إلى السوق المصرية فقط، بل يمكن أن يتحول إلى منصة إنتاج وتصدير إقليمية.وهنا تتحول المعادلة من:”الاستثمار من أجل السوق المصرية”إلى:”الاستثمار في مصر من أجل مصر والأسواق الإقليمية والعالمية”.وهي نقلة نوعية يمكن أن تحقق فوائد متبادلة للجانبين.الرهان الحقيقيإن الرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون على عدد المشروعات أو حجم الاتفاقيات وحده، وإنما على قدرة مصر على تحويل الشراكة المصرية الصينية إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.فكل مصنع جديد يجب أن يعني إنتاجًا أكبر.وكل مشروع تكنولوجي يجب أن يعني معرفة جديدة.وكل استثمار يجب أن يخلق فرصًا للعمل.وكل شراكة يجب أن تفتح بابًا جديدًا أمام الصادرات المصرية.وكل عملية نقل للتكنولوجيا يجب أن تساعد مصر على الانتقال خطوة جديدة من مستورد للتكنولوجيا إلى مشارك في إنتاجها وتطويرها.وهنا تحديدًا تكمن فلسفة الشراكة الحقيقية.من الصداقة التاريخية إلى شراكة المستقبللقد أثبتت السنوات الطويلة أن العلاقات المصرية الصينية تمتلك قاعدة سياسية وشعبية قوية، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعظيم الجانب الاقتصادي والتنموي لهذه العلاقة.مصر بحاجة إلى الصين، ليس باعتبارها مصدرًا للسلع ورأس المال فقط، وإنما باعتبارها شريكًا في التصنيع ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات الإنتاجية.والصين أيضًا بحاجة إلى مصر، ليس فقط باعتبارها سوقًا استهلاكية، وإنما باعتبارها دولة ذات موقع استراتيجي وسوق كبيرة وقوة بشرية، وبوابة مهمة إلى أفريقيا والمنطقة العربية.ومن هنا، فإن المصالح المشتركة يمكن أن تتحول إلى قوة دافعة لعلاقة أكثر توازنًا واستدامة.المستقبل يبدأ من هناإن مصر تمتلك فرصة تاريخية لإعادة صياغة موقعها في الاقتصاد العالمي، والشراكة مع الصين يمكن أن تكون إحدى الأدوات المهمة لتحقيق ذلك، إذا أُديرت برؤية واضحة تضع الإنتاج والتكنولوجيا والتصدير وتعميق التصنيع المحلي في مقدمة الأولويات.فالمطلوب ليس مجرد زيادة حجم التجارة، وإنما تغيير طبيعة التجارة.وليس مجرد جذب الاستثمارات، وإنما جذب الاستثمارات التي تصنع اقتصادًا أكثر إنتاجية.وليس مجرد استيراد التكنولوجيا، وإنما توطينها وتطويرها وبناء الإنسان القادر على استخدامها وإنتاجها.وفي النهاية، فإن نجاح العلاقات المصرية الصينية لن يُقاس فقط بما تم توقيعه من اتفاقيات، وإنما بما ستتركه هذه الشراكة على أرض الواقع من مصانع تعمل، وشباب يتعلم، وإنتاج يتزايد، وصادرات تنمو، وتكنولوجيا تُوطّن، واقتصاد يمتلك قدرة أكبر على المنافسة.مصر والصين.. 70 عامًا من الصداقة والتعاون، لكن المستقبل يحمل فرصة أكبر: أن تتحول هذه الصداقة التاريخية إلى شراكة إنتاجية تصنع التنمية، وتفتح أبوابًا جديدة لمصر نحو الاقتصاد العالمي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.