نورهان هانئ تكتب | ذوي الهمم بين الامتيازات والضوابط
حين تتحول حقوق ذوي الهمم إلى مطمع… من يحمي الحق من التحايل؟
ترددت كثيرًا قبل أن أكتب في هذا الموضوع، ليس لأنه بعيد عني، بل على العكس تمامًا؛ لأنني أراه كثيرًا بحكم عملي واحتكاكي المباشر بملفات الأشخاص ذوي الإعاقة وحقوقهم.
حقوق الأشخاص ذوي الهمم ليست امتيازات تُمنح بلا ضوابط، وليست أبوابًا مفتوحة للاستفادة منها دون استحقاق، وإنما هي حقوق أقرتها الدولة لحماية فئة تحتاج إلى الدعم والتمكين وضمان تكافؤ الفرص.
والدولة المصرية قطعت خطوات مهمة في هذا الملف، بداية من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وصولًا إلى منظومة بطاقة إثبات الإعاقة والخدمات المتكاملة، وبرامج الدعم والحماية الاجتماعية، ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم، وتخصيص نسبة 5% من فرص العمل وفقًا للقواعد المنظمة، إلى جانب العديد من الخدمات والتيسيرات الأخرى.
لكن السؤال الذي أصبح يفرض نفسه بقوة:
ماذا يحدث عندما يبدأ غير المستحق في البحث عن طريق للحصول على حق لم يُشرَّع من أجله؟
المشهد الذي أصبحنا نراه في بعض الحالات يدعو للقلق.
ففي ملف التعليم، على سبيل المثال، أصبح من المؤلم أن نرى محاولات للحصول على مستندات أو تشخيصات لا تعكس بالضرورة الحالة الحقيقية للطالب، بهدف الاستفادة من نظام الدمج أو الحصول على تيسيرات تعليمية لا يحتاج إليها الطالب فعليًا.
وهنا لا نتحدث فقط عن مخالفة إدارية أو محاولة للالتفاف على نظام.
نحن نتحدث عن حق طالب آخر من ذوي الإعاقة قد يُحرم من مكانه، ومن الدعم الذي يحتاج إليه، ومن فرصة تعليمية صُممت أصلًا من أجله.
والأخطر من ذلك أن الطالب نفسه قد يكون واعيًا وقادرًا، لكنه يجد نفسه داخل منظومة لم تُصمم لحالته، فيفقد تدريجيًا الدافع للتعلم، ويصبح التعليم بالنسبة إليه مجرد وسيلة للحصول على نتيجة أسهل، بدلًا من أن يكون طريقًا لبناء مستقبله.
وهنا يجب أن نفرق جيدًا بين التيسير الذي يستحقه الشخص ذو الإعاقة، وبين التلاعب بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
الأمر لا يتوقف عند التعليم.
بطاقات إثبات الإعاقة والخدمات المتكاملة، والدعم النقدي الموجه للمستحقين، والتيسيرات المتعلقة بالعمل، والأجهزة التعويضية والأطراف الصناعية، وبعض الإعفاءات والتسهيلات، وغيرها من الخدمات، كلها وُجدت لتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص ودعم من يحتاج إليها فعلًا.
لكن عندما يتحول الحق إلى فرصة للطمع، تصبح المشكلة أكبر من مجرد شخص يحاول الحصول على ميزة.
لأن كل حق يحصل عليه غير مستحق قد يعني في المقابل أن مستحقًا حقيقيًا ينتظر، أو يُحرم، أو تتأخر عنه الخدمة التي يحتاج إليها.
وهنا لا بد أن نتوقف أمام واحدة من أهم القضايا: الحق في العمل.
فالقانون وضع إطارًا واضحًا لضمان فرص متكافئة للأشخاص ذوي الإعاقة، ومن بينها نسبة الـ5% المقررة للتعيين وفقًا للقواعد المنظمة.
لكن التحدي الحقيقي ليس فقط في وجود النسبة، وإنما في ضمان وصولها إلى مستحقيها، ثم توفير بيئة عمل حقيقية تسمح لهم بالإنتاج والمشاركة والاستقلال، بدلًا من أن يتحول الأمر إلى مجرد أرقام أو إجراءات شكلية.
نحن لا نحتاج إلى التشكيك في حقوق الأشخاص ذوي الهمم، بل نحتاج إلى حمايتها من الاستغلال.
ولا نحتاج إلى تقليل المزايا المقررة لهم، بل نحتاج إلى ضمان وصولها إلى من يستحقها فعلًا.
وهنا يأتي دور الضوابط الدقيقة، والبيانات المحدثة، والربط الحقيقي بين الجهات المعنية، والمراجعة الدورية للحالات، مع الحفاظ الكامل على كرامة وخصوصية الأشخاص ذوي الإعاقة.
نحن بحاجة إلى منظومة بيانات وطنية دقيقة ومحدثة للأشخاص ذوي الإعاقة، تساعد الجهات المعنية على معرفة الاحتياجات الحقيقية لكل حالة، ومتابعة الخدمات المقدمة لها، ومنع الازدواجية أو التحايل، وفي الوقت نفسه ضمان سرعة وصول الخدمة إلى مستحقيها.
نحتاج إلى رقمنة أكثر دقة، ومتابعة أكثر فاعلية، وتقييم مهني مستقل، وتكامل حقيقي بين الجهات المعنية؛ حتى لا يصبح المستحق في مواجهة إجراءات طويلة، بينما يجد غير المستحق طريقًا مختصرًا للاستفادة.
رسالتي هنا ليست ضد أحد، وليست دعوة لحرمان أي شخص من حقه.
بل هي دفاع عن الحق نفسه.
حق الشخص ذي الإعاقة في أن يحصل على ما يستحقه كاملًا.
وحق الدولة في أن تصل مواردها إلى مستحقيها.
وحق المجتمع في أن تُدار موارده بعدالة.
وحق أبنائنا في أن نربيهم على الاستحقاق الحقيقي لا على التحايل.
فحقوق ذوي الهمم ليست بابًا للمكاسب الشخصية…
إنها أمانة.
وحين نحمي هذه الحقوق من الاستغلال، فنحن لا نحمي الدولة فقط، ولا نحمي مواردها فقط…
بل نحمي إنسانًا حقيقيًا قد يكون جالسًا الآن في انتظار حقه.
فلنحافظ على الحق لأصحابه… قبل أن يصبح الحق نفسه هو الضحية.