محمد سامح حسونة يكتب | التطوع… وصناعة الأثر

0

في الوقت الذي تواجه فيه المجتمعات تحديات متزايدة تتعلق بالفقر، والبطالة، وتغير المناخ، وجودة التعليم، لم يعد العمل التطوعي نشاطًا هامشيًا أو رفاهيًا، بل أصبح أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدول لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز رأس المال الاجتماعي. فالمجتمعات الأكثر قدرة على تجاوز الأزمات ليست بالضرورة الأكثر ثراءً، وإنما الأكثر تعاونًا ومشاركةً بين أفرادها.

وتؤكد البيانات الدولية هذا التوجه؛ إذ تشير تقديرات منظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن ما يقرب من 862 مليون شخص حول العالم يشاركون سنويًا في أعمال تطوعية، سواء بصورة رسمية من خلال المؤسسات أو بصورة غير رسمية داخل مجتمعاتهم. ولو اعتُبر المتطوعون قوة عاملة واحدة، لأصبحوا من أكبر القوى العاملة على مستوى العالم.

ولا يقتصر أثر التطوع على خدمة المجتمع فحسب، بل يمتد إلى بناء قدرات الأفراد. فقد أظهرت تقارير دولية أن المتطوعين يطورون مهارات القيادة، والعمل الجماعي، وإدارة المشروعات، وحل المشكلات، والتواصل الفعال، وهي من أكثر المهارات طلبًا في سوق العمل الحديث. لذلك تنظر كثير من المؤسسات إلى السجل التطوعي باعتباره مؤشرًا على روح المبادرة وتحمل المسؤولية.

ومن منظور التنمية المستدامة، يرتبط العمل التطوعي ارتباطًا مباشرًا بتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030؛ فهو يساهم في دعم التعليم الجيد، وتعزيز الصحة، والحد من الفقر، وتمكين الشباب، والعمل المناخي، وبناء مؤسسات أكثر شمولًا. ولهذا اعترفت الأمم المتحدة بالمتطوعين بوصفهم شركاء رئيسيين في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وليس مجرد داعمين لها.

وفي مصر، شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في ثقافة التطوع، خاصة مع المبادرات الوطنية التي استهدفت دعم الفئات الأكثر احتياجًا، وتنمية القرى، وتمكين الشباب، والمشاركة في حملات التوعية والصحة العامة. وقد أسهم ذلك في ترسيخ مفهوم أن المشاركة المجتمعية ليست مسؤولية الدولة وحدها، وإنما مسؤولية مشتركة بين جميع أفراد المجتمع.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة أعداد المتطوعين فقط، بل في تحويل العمل التطوعي إلى ثقافة مستدامة تقوم على التخطيط، والتدريب، وقياس الأثر، والاستفادة من طاقات الشباب بصورة مؤسسية. فالتطوع الذي يعتمد على المعرفة والتخصص يحقق نتائج أكثر استدامة وتأثيرًا من المبادرات العشوائية أو الموسمية.

إن التنمية لا تُبنى بالمشروعات وحدها، بل تُبنى أيضًا بالإنسان القادر على العطاء. وكل ساعة يقضيها متطوع في تعليم طفل، أو مساعدة أسرة، أو غرس شجرة، أو نشر الوعي، هي استثمار طويل الأجل في مستقبل المجتمع. فالتغيير الحقيقي يبدأ من شخص يؤمن بأن مسؤوليته لا تنتهي عند حدود مصلحته الشخصية، وإنما تمتد إلى خدمة وطنه والإنسانية.

وفي النهاية، يبقى التطوع أحد أكثر أشكال المشاركة الإنسانية رقيًا؛ لأنه يجمع بين العطاء دون انتظار مقابل، وبناء الإنسان دون ضجيج، وصناعة مستقبل أكثر عدلًا واستدامة. فالأمم لا تُقاس بما تمتلكه من موارد فحسب، بل بما تمتلكه من مواطنين يؤمنون بأن خدمة المجتمع مسؤولية وشرف.             

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.