د. حسن هجرس يكتب | الخدمة التقليدية والحكومة الذكية
لم يعد التحول الرقمي ترفا إداريا أو خيارا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العصر وتوقعات المواطنين. فالمواطن اليوم يقارن بين سرعة الخدمات الرقمية التي يحصل عليها في القطاع الخاص، وبين ما يتلقاه من خدمات حكومية، ولذلك أصبحت جودة الخدمة وسرعة الحصول عليها
من أهم معايير تقييم الأداء الحكومي.
وفي الإدارة المحلية تحديدا، يكتسب التحول الرقمي أهمية مضاعفة، لأن المحافظة هي المستوى الإداري الأقرب إلى المواطن، وهي المسؤولة عن عدد كبير من الخدمات اليومية التي تمس حياته بشكل مباشر، مثل تراخيص البناء، والمحال العامة، والتصالح، والمرافق، والشكاوى، وغيرها.
ومن هنا، فإن نجاح المحافظ في قيادة التحول الرقمي لا يقاس بعدد أجهزة الحاسب داخل الديوان العام، وإنما بمدى قدرة المواطن على إنجاز خدمته بسهولة، دون تعقيد أو انتظار طويل.
التحول الرقمي الحقيقي يبدأ بإعادة تصميم الإجراءات قبل تحويلها إلى إجراءات إلكترونية. فلا جدوى من نقل الروتين الورقي إلى شاشة الحاسب إذا بقيت الخطوات نفسها، والتوقيعات نفسها، والتأخير نفسه.
كما أن الإدارة الذكية تعتمد على البيانات في اتخاذ القرار. فعندما تمتلك المحافظة قواعد بيانات دقيقة ومحدثة عن السكان، والخدمات، والمشروعات، والاستثمارات، تصبح القرارات أكثر دقة، وتصبح الأولويات مبنية على احتياجات فعلية، وليس على تقديرات شخصية.
ومن أهم مكاسب التحول الرقمي أيضا تعزيز الشفافية، والحد من التدخل البشري في الإجراءات، وتقليل فرص الخطأ، ورفع كفاءة استخدام الموارد، إلى جانب تحسين تجربة المواطن مع الجهات الحكومية.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. فالنجاح يتطلب تأهيل العنصر البشري، وتدريب العاملين، ونشر ثقافة التطوير المستمر، لأن أي نظام رقمي لن يحقق أهدافه إذا لم يجد من يحسن استخدامه ويؤمن بأهميته.
ومن وجهة نظري، فإن محافظ المستقبل هو من يقود عملية التغيير بنفسه، ويعتبر التحول الرقمي مشروعا إداريا وثقافيا قبل أن يكون مشروعا تقنيا. فالمطلوب ليس شراء أجهزة جديدة، وإنما بناء إدارة أكثر سرعة وكفاءة وشفافية.
إن المحافظات التي تنجح في التحول الرقمي ستصبح أكثر قدرة على جذب الاستثمار، وتحسين جودة الخدمات، ورفع مستوى رضا المواطنين، لأنها تختصر الوقت، وتقلل التكلفة، وتعتمد على المعلومات الدقيقة في إدارة مواردها.
ويبقى السؤال:
هل أصبح التحول الرقمي شرطا أساسيا لنجاح الإدارة المحلية في السنوات القادمة، أم أنه ما زال مجرد أداة مساعدة؟