د. آية ياسين تكتب | روسيا تُصعد وأوروبا تتحدى
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد معركة تدور على الأراضي الأوكرانية، بل تحولت إلى اختبار
مفتوح لموازين القوى العالمية، ومع كل تصعيد جديد تتسع دائرة المواجهة من ساحات القتال إلى الاقتصاد
والطاقة والأمن الأوروبي، فيما تقف الولايات المتحدة في المنتصف بين محاولة إدارة الصراع ومنع
انفجاره إلى مواجهة أوسع.
خلال الأيام الأخيرة، تصاعدت حدة المواجهة بشكل لافت؛ روسيا تواصل عملياتها العسكرية، وأوكرانيا
تكثف هجماتها بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، بينما تزداد مخاوف العواصم الأوروبية من انتقال
الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة تشمل الهجمات السيبرانية والتخريب والطائرات المسيّرة والضغط على
الدول الداعمة لكييف.
وهنا يظهر السؤال الأخطر: هل نحن أمام حرب روسية أوكرانية فقط، أم أمام مواجهة روسية غربية تتخذ
من أوكرانيا ساحتها الرئيسية؟
أوروبا لم تعد تتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة بعيدة عن حدودها، فالدول الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا
وألمانيا أصبحت أكثر انخراطًا في دعم أوكرانيا عسكريًا وسياسيًا، بينما تتزايد المخاوف الأوروبية من
أن يؤدي استمرار الحرب إلى اختبار مباشر لقدرة حلف الناتو على الردع.
وفي المقابل، تنظر موسكو إلى الدعم الأوروبي لأوكرانيا باعتباره جزءًا من المواجهة معها، خصوصًا مع
الحديث المتزايد عن الأسلحة بعيدة المدى والدعم الاستخباراتي والتنسيق العسكري.
الأخطر أن مساحة الخطأ أصبحت أضيق من أي وقت مضى؛ فحادث أمني على حدود دولة عضو في
الناتو، أو ضربة خاطئة، أو تصعيد روسي ضد دولة أوروبية، قد يضع الحلف أمام اختبار حقيقي لمبدأ
الدفاع الجماعي.
أما واشنطن، فتبدو في موقف شديد التعقيد.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحاول الإبقاء على باب التفاوض مفتوحًا مع موسكو، وفي الوقت نفسه لا
يريد أن تبدو الولايات المتحدة وكأنها تخلت عن أوكرانيا أو سمحت لروسيا بفرض شروطها بالقوة.
وهنا تلعب واشنطن لعبة دقيقة: تضغط من أجل التفاوض، لكنها لا تريد أن تمنح موسكو انتصارًا
استراتيجيًا مجانيًا.
وفي المقابل، لا تريد روسيا أن تنتهي الحرب بتسوية تعيدها إلى نقطة الصفر؛ فموسكو تسعى إلى تثبيت
مكاسبها على الأرض، وإعادة رسم ترتيبات الأمن الأوروبي، وتقليص النفوذ العسكري الغربي بالقرب من
حدودها.
وبالتالي، فإن القضية بالنسبة للكرملين تتجاوز أوكرانيا نفسها إلى سؤال أكبر:
من يحدد قواعد الأمن في أوروبا؟ موسكو أم واشنطن وحلف الناتو؟