حنان جوهر تكتب | دماء خلف الأبواب المغلقة
يشهد المجتمع المصري في الآونة الأخيرة تحولا مقلقا في المشهد الإجرامي مع بروز وقائع بالغة الخطورة من
العنف داخل نطاق الأسرة الواحدة فلم تعد بعض الجرائم البشعة تقتصر على العنف في محيط المجتمع بل تسللت
إلى أقدس الدوائر الإنسانية “الأسرة ففي الآونة الأخيرة برزت وقائع مفزعة من جرائم الدم بين الأزواج ومن
الأبناء ضد آبائهم أو العكس في مشاهد من العنف المفرط والتمثيل بالضحايا تدق ناقوس الخطر مجتمعيا وقانونيا
وتنذر بخطر داهم وهي ظاهرة تتطلب تحليلا دقيقا من منظور علم الإجرام والسياسة الجنائية
من منظور علم الإجرام
لا تنشأ هذه الجرائم من عدم بل هي نتاج تفاعلات معقدة لعدة عوامل قد تسهم في ارتكاب الجريمة حيث تتضافر
الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والتفكك الأسري وغياب ثقافة حل النزاعات مع تعاطي المواد المخدرة
والمؤثرات العقلية وما قد يصاحبه من اضطراب في الإدراك أو ضعف القدرة على ضبط السلوك فضلا عن
انحدار بعض القيم والضوابط الأخلاقية والاجتماعية لتشكل بيئة خصبة وحاضنة للعنف ووفقا لبعض النظريات
في علم الإجرام ولاسيما نظرية الضغط العام ونظرية الضبط الإجتماعي قد يرتبط ارتكاب هذه الجرائم بالضغوط
التي يتعرض لها الفرد من ناحية وبضعف الروابط الاجتماعية وتراجع فاعلية آليات الضبط الذاتي والاجتماعي
من ناحية أخرى بما قد يؤدي إلى تراجع الاعتبارات الأسرية والإنسانية في وعي الجاني ويسهل عليه التعدي
على أقرب الأشخاص إليه
من الناحية القانونية والتشريعية:
تصدى المشرع المصري لهذه الجرائم بحزم شديد لحماية البنيان المجتمعي فوفقا لقانون العقوبات متى اقترنت
جريمة القتل العمد بسبق الإصرار أو الترصد أو وقعت بالسم أو اقترنت بجناية أخرى في الأحوال التي حددها
القانون تكون العقوبة الإعدام وذلك وفقا للمواد 230 و233 و234 من قانون العقوبات، مع تنظيم المادتين 231
و232 لسبق الإصرار والترصد
فضلا عن ذلك فإن شناعة الجريمة وبشاعة ارتكابها وقسوة أسلوب تنفيذها تعد من الملابسات التي يجوز للمحكمة
أن تضعها في اعتبارها عند تقدير العقوبة وفي هذا السياق يظل العذر المخفف الخاص بمفاجأة الزوج لزوجته
متلبسة بالزنا وقتلها في الحال هي ومن يزني بها المادة (٢٣٧)عقوبات استثناء تشريعيا ضيق النطاق وبشروط
محددة فالأعذار القانونية باعتبارها استثناء من القواعد العامة لا يجوز التوسع في تفسيرها أو القياس عليها وفقا
لما استقر عليه الفقه وقضاء محكمة النقض
وأخيرا فإن الردع الجنائي رغم أهميته الوقائية في الحد من الجرائم لا يكفي وحده لمعالجة العوامل الاجتماعية
والنفسية والأسرية التي قد تسهم في نشوء السلوك الإجرامي ومن ثم فإن مجابهة هذا الخطر الأمني والمجتمعي
تتطلب استراتيجية وطنية تقوم على التكامل بين الأسرة والمؤسسات التربوية والدينية والإعلامية والجهات
المعنية بالدعم والصحة النفسية بما يسهم في ترسيخ القيم والضوابط الاجتماعية وإيقاظ الضمير والوازع الديني
وتعزيز المسؤولية الأخلاقية ونشر ثقافة الحوار وإدارة النزاعات وتوفير الدعم النفسي والتدخل المبكر في حالات
التفكك والعنف الأسري. فنحن أمام حاجة ماسة إلى ترميم الجدار الأخلاقي والنفسي للأسرة المصرية قبل أن
تتحول الخلافات اليومية إلى دماء تراق خلف الأبواب المغلقة.