محمد ياسر الكومي يكتب | الساحل بين الحرية والرقي

0

على مدار ثماني سنوات

 قضيتها في الساحل الشمالي بحكم عملي كمهندس، شاهدت الكثير من الصور والمواقف التي جعلتني أقدّر هذا المكان وأستمتع بجماله، لكنني في الوقت نفسه رأيت بعض المظاهر التي تستحق أن نتوقف أمامها بجدية.

وأحب أن أوضح منذ البداية: أنا لست شخصًا رجعيًا، ولست واعظًا دينيًا، ولا أكتب هذا الكلام لأحكم على الناس أو أفرض عليهم طريقة حياة معينة. أنا ببساطة أتحدث عن شيء أبسط من ذلك بكثير: الذوق، والاحترام، والوقار، وحدود التعامل في الأماكن العامة.

من حق كل إنسان أن يستمتع بحياته، وأن يفرح، وأن يلبس كما يريد، وأن ينفق أمواله كما يشاء، طالما لا يتعدى على حقوق الآخرين أو راحتهم. لكن الحرية عندما تتحول إلى استعراض مبالغ فيه، أو تصرفات تخلو من الذوق، أو سلوكيات تضع الآخرين في مواقف محرجة، فإن الأمر لم يعد مجرد “حرية شخصية”، بل أصبح مسألة احترام للمكان ولمن حولنا.

الرفاهية شيء جميل، لكن المبالغة في الاستعراض ليست رقيًا.

والجرأة شيء، والتجاوز شيء آخر.

والحرية شيء، وغياب الذوق شيء آخر تمامًا.

ليس كل ما نستطيع فعله أمام الناس يستحق أن نفعله، وليس كل ما يلفت الأنظار يعكس قيمة صاحبه.

وأنا هنا لا أتحدث عن الجميع، ولا أضع مجتمعًا كاملًا في خانة واحدة. فالساحل يضم نماذج محترمة ومشرفة من مختلف طبقات المجتمع، وأناسًا راقين في تعاملهم وحضورهم وأخلاقهم. لكن هناك شريحة من السلوكيات والمظاهر أصبحت تستحق النقد الصريح، لأن السكوت عنها باعتبارها “حرية شخصية” قد يجعل التجاوز شيئًا طبيعيًا مع الوقت.

نحن لا نحتاج إلى العودة للخلف، ولا إلى فرض الوصاية على أحد. نحن فقط بحاجة إلى أن نتقدم إلى الأمام بالحرية والوعي في الوقت نفسه.

فالإنسان المتحضر ليس هو الذي يفعل كل ما يريد دون حساب، وإنما هو الذي يعرف أن حريته تتوقف عندما تبدأ راحة الآخرين وحقوقهم.

وبعد ثماني سنوات في الساحل، أقولها بكل وضوح:

نحن نحتاج إلى قليل من الهدوء وسط كل هذا الصخب، وقليل من الوقار وسط كل هذا الاستعراض، وقليل من الذوق في زمن أصبحت فيه بعض التصرفات تُقدم لنا على أنها “عصرية” وهي في الحقيقة مجرد مبالغة لا تليق.

والأهم من ذلك كله، ألا نسمح لبعض المشاهد العابرة أن تختصر صورة مصر في أذهان الناس.

مصر ليست هذه المظاهر، ولا هذه التصرفات تمثل المصريين.

مصر بلد عريق، وشعبه يعرف معنى الكرامة والاحترام والأصالة. ومن حقنا أن نعيش بحرية، لكن من حق بلدنا علينا أيضًا أن نحافظ على صورتها.

استمتع كما تشاء… ولكن لا تفقد هيبتك.

كن حرًا… ولكن لا تنسَ احترام غيرك.

عش حياتك… ولكن اجعل وجودك مصدر راحة لا مصدر إزعاج.

ففي النهاية، الرقي ليس أن تكون مختلفًا عن الناس… بل أن تكون مختلفًا في أخلاقك، حتى وأنت تملك كل أسباب الاستعراض.

المشكلة ليست في أن يستمتع الإنسان بوقته، ولا في أن يفرح أو يحتفل أو يعيش حياته كما يحب؛ فالحياة الجميلة حق للجميع. لكن أن يتحول الترفيه إلى إسراف، وقلة أدب، ووقاحة، وانحطاط في بعض التصرفات، وأن يصبح احترام الآخرين شيئًا ثانويًا، فهنا يجب أن نتوقف ونسأل: إلى أين نذهب بقيمنا؟

ما يؤلمني أن ترى أحيانًا مظاهر مبالغًا فيها من البذخ والاستعراض، وكأن قيمة الإنسان أصبحت بما يملك وما يرتدي وما يقود، وليس بما يحمله من أخلاق واحترام ورقي. والأشد إزعاجًا أن تتحول بعض الأماكن إلى مساحة للتجاوز في الكلام والتصرفات، وكأن الحرية تعني غياب الأدب.

لكن من الإنصاف أن نقول: هذه شريحة من المجتمع، وليست مصر.

مصر أكبر وأجمل من أن تُختزل في مشهد عابر أو سلوك غير مسؤول. مصر فيها الإنسان المحترم، والأسرة التي تحافظ على قيمها، والشاب الذي يعرف حدود حريته، والمرأة التي تحترم نفسها، والعامل الذي يكافح من أجل لقمة عيشه، والمهندس والطبيب والمدرس والجندي وكل إنسان شريف يرفع اسم بلده بأخلاقه قبل عمله.

الساحل الشمالي نفسه ليس مجرد حفلات ومظاهر استهلاك؛ هو جزء من أرض مصر، وفيه آلاف المصريين الذين يعملون ويجتهدون ويبنون ويقدمون صورة مشرفة عن بلدهم.

الاستمتاع بالحياة لا يحتاج إلى إسقاط الأخلاق، والثراء لا يشتري الرقي، والحرية لا تعني الوقاحة.

ومن حق كل إنسان أن يستمتع بوقته، لكن من حق الآخرين أيضًا أن يعيشوا في بيئة يسودها الاحترام.

وبعد ثماني سنوات في الساحل، أستطيع أن أقول بكل وضوح:

ما رأيته من بعض مظاهر الإسراف والانحطاط لا يمثل مصر العزيزة الأبية، ولا يمثل شعبها الأصيل، ولا يمثل أخلاقها التي عشنا وتربينا عليها.

مصر ستظل أكبر من كل هذه المظاهر، وسيظل معدن المصري الحقيقي يظهر في أخلاقه، واحترامه للآخرين، وحبه لبلده، وليس في حجم ما ينفقه أو مقدار ما يستعرضه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.