محمد سامح حسونة يكتب | الاستدامة مسؤولية مشتركة

0

لم تعد التنمية المستدامة مفهومًا نظريًا يقتصر على المؤتمرات الدولية أو الوثائق الأممية، بل أصبحت إطارًا عالميًا تتبناه الحكومات والمؤسسات والمجتمعات لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تهدد مستقبل البشرية. ففي سبتمبر 2015، اعتمدت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة خطة التنمية المستدامة 2030، والتي تضمنت 17 هدفًا رئيسيًا و169 غاية، بهدف تحقيق تنمية شاملة تضمن تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بحقوق الأجيال المقبلة.وجاء إطلاق هذه الأهداف في ظل تحديات عالمية متسارعة، أبرزها استمرار الفقر، واتساع فجوة عدم المساواة، وتداعيات تغير المناخ، وتزايد الضغوط على الموارد الطبيعية. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 700 مليون شخص حول العالم ما زالوا يعيشون في فقر مدقع، بينما يعاني نحو 735 مليون شخص من نقص الغذاء وسوء التغذية، في الوقت الذي يفتقر فيه 2.2 مليار إنسان إلى مياه شرب آمنة، ويعيش ما يقرب من 3.5 مليار شخص دون خدمات صرف صحي مُدارة بصورة آمنة. وتكشف هذه الأرقام أن التنمية المستدامة لم تعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة إنسانية واقتصادية.وتغطي أهداف التنمية المستدامة مختلف جوانب الحياة، بدايةً من القضاء على الفقر والجوع، وضمان الصحة الجيدة والتعليم الجيد، وتحقيق المساواة بين الجنسين، وتوفير المياه النظيفة والطاقة النظيفة بأسعار ميسرة، مرورًا بدعم النمو الاقتصادي، وتوفير العمل اللائق، وتشجيع الابتكار والصناعة، والحد من أوجه عدم المساواة، وبناء مدن ومجتمعات مستدامة، ووصولًا إلى تعزيز أنماط الإنتاج والاستهلاك المسؤولين، ومواجهة التغيرات المناخية، وحماية الحياة في البحار واليابسة، وترسيخ السلام والعدالة، وتعزيز الشراكات الدولية.وتعد قضية المناخ من أكثر القضايا إلحاحًا في الأجندة العالمية. فقد أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) أن عام 2024 كان الأعلى حرارة منذ بدء تسجيل البيانات المناخية، كما ارتفعت تركيزات غازات الاحتباس الحراري إلى مستويات قياسية، الأمر الذي أدى إلى زيادة موجات الحر، والفيضانات، وحرائق الغابات، والجفاف في العديد من دول العالم. وتشير الأمم المتحدة إلى أن الكوارث المرتبطة بالمناخ تؤثر سنويًا في مئات الملايين من الأشخاص، وتتسبب في خسائر اقتصادية تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات، فضلًا عن تهديد الأمن الغذائي والمائي.وعلى صعيد التعليم، تشير تقارير اليونسكو إلى أن نحو 251 مليون طفل وشاب كانوا خارج مقاعد الدراسة خلال عام 2022، بينما لا يزال ملايين الأطفال يفتقرون إلى فرص التعليم الجيد، وهو ما يمثل تحديًا مباشرًا أمام تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة. أما في القطاع الصحي، فقد كشفت منظمة الصحة العالمية أن جائحة كوفيد-19 أبطأت التقدم المحرز في العديد من المؤشرات الصحية، وأكدت أهمية الاستثمار في أنظمة صحية أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة الأزمات.ورغم مرور ما يقرب من عقد على إطلاق أجندة 2030، فإن وتيرة الإنجاز لا تزال أقل من المأمول. فقد أوضح تقرير أهداف التنمية المستدامة لعام 2024 أن العالم يسير على المسار الصحيح لتحقيق نحو 17% فقط من الغايات المستهدفة بحلول عام 2030، بينما يشهد ما يقرب من نصف المؤشرات تباطؤًا، وتراجع أكثر من ثلثها مقارنة بخط الأساس، نتيجة الصراعات المسلحة، والأزمات الاقتصادية، وتداعيات جائحة كوفيد-19، والتغيرات المناخية، وارتفاع معدلات الديون في العديد من الدول النامية.وفي مصر، تمثل رؤية مصر 2030 الإطار الوطني المتوافق مع أهداف الأمم المتحدة، حيث ترتكز على أبعاد التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مع التركيز على تحسين جودة التعليم، وتطوير الخدمات الصحية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، والتحول الرقمي، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة. كما شهدت السنوات الأخيرة تنفيذ عدد من المبادرات القومية، أبرزها “حياة كريمة”، التي استهدفت تطوير آلاف القرى وتحسين مستوى الخدمات المقدمة لملايين المواطنين، بما يعكس توجه الدولة نحو تحقيق تنمية أكثر شمولًا واستدامة.ولا يمكن للحكومات وحدها تحقيق هذه الأهداف؛ فنجاح التنمية المستدامة يعتمد على شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، فضلًا عن دور الأفراد في تبني أنماط حياة أكثر استدامة، مثل ترشيد استهلاك المياه والطاقة، والحد من الهدر، وإعادة التدوير، ودعم المبادرات المجتمعية، والمشاركة في العمل التطوعي.إن أهداف التنمية المستدامة ليست مجرد بنود في وثيقة دولية، وإنما رؤية متكاملة لبناء عالم أكثر عدالة وإنصافًا واستقرارًا. وبينما يقترب موعد عام 2030، تزداد الحاجة إلى تسريع وتيرة العمل وتحويل التعهدات إلى نتائج ملموسة. فمستقبل الأجيال القادمة لن يتحدد بالشعارات، وإنما بما يتحقق على أرض الواقع من سياسات ومبادرات وشراكات فاعلة. ومن ثم، أصبحت التنمية المستدامة مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الحكومات والمؤسسات والأفراد، لضمان مستقبل أكثر ازدهارًا، لا يترك أحدًا خلف الركب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.