د. حسن هجرس يكتب | المؤسسات ومعركة التنمية
لم تعد الإدارة المحلية الحديثة تقوم على اتخاذ القرار داخل المكاتب المغلقة، ثم إبلاغ المواطنين بما تم اتخاذه، بل أصبحت تقوم على مفهوم أكثر تطورا، وهو المشاركة المجتمعية. فهذا المفهوم لا يعني فقط الاستماع إلى آراء المواطنين، وإنما إشراكهم في تحديد الأولويات،
واقتراح الحلول، ومتابعة التنفيذ، وتقييم النتائج.
إن المواطن هو الأكثر قدرة على وصف احتياجات منطقته، لأنه يعيش تفاصيلها اليومية. ولذلك، فإن تجاهل صوته يعني فقدان مصدر مهم للمعلومات، بينما يساهم إشراكه في رفع جودة القرارات، وتعزيز الثقة بين المجتمع والأجهزة التنفيذية.
وفي تقديري، فإن المحافظ الناجح لا يكتفي بعقد الاجتماعات الرسمية، بل يحرص على بناء قنوات تواصل مستمرة مع المواطنين، ومنظمات المجتمع المدني، والنقابات، والجامعات، والقطاع الخاص، والشباب، والمرأة، باعتبارهم شركاء في التنمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمات.
كما أن المشاركة المجتمعية تساعد على توجيه الموارد المحدودة إلى الأولويات الحقيقية، وتقلل من احتمالات تنفيذ مشروعات لا تعبر عن احتياجات المواطنين. وعندما يشعر المواطن بأن رأيه مسموع، وأن اقتراحاته تجد طريقها إلى التنفيذ، تزداد ثقته في مؤسسات الدولة، ويتحول من
متلق للخدمة إلى شريك في نجاحها.
واليوم، أتاحت التكنولوجيا فرصا غير مسبوقة لتعزيز هذه المشاركة، من خلال المنصات الرقمية، وتطبيقات الهواتف الذكية، واستطلاعات الرأي الإلكترونية، ومنظومات تلقي الشكاوى والمقترحات، بما يتيح للإدارة المحلية متابعة احتياجات المواطنين بصورة أكثر سرعة وفاعلية.
ومن المهم أيضا أن تتحول المشاركة المجتمعية من استجابة موسمية إلى منهج عمل مؤسسي، بحيث تصبح جلسات الحوار المجتمعي جزءا من إعداد الخطط المحلية، وتقييم المشروعات، ومراجعة جودة الخدمات العامة.
ولا يعني ذلك أن الإدارة تتخلى عن مسؤوليتها في اتخاذ القرار، وإنما يعني أن القرار يصبح أكثر نضجا لأنه يستند إلى رؤية أوسع، تجمع بين الخبرة الفنية واحتياجات المجتمع.
وأرى أن مستقبل الإدارة المحلية في مصر يعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على بناء جسور الثقة مع المواطنين، لأن التنمية الحقيقية لا تفرض من أعلى، وإنما تنجح عندما يشارك الجميع في صناعتها.
إن المحافظة التي تستمع إلى مواطنيها، وتستفيد من أفكارهم، وتفتح أمامهم أبواب المشاركة، هي محافظة أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة.
ويبقى السؤال:
هل نحتاج إلى توسيع مشاركة المواطنين في صنع القرار المحلي، أم أن الأساليب الحالية كافية لتحقيق التنمية؟