ميادة إسماعيل مبارك تكتب | الاقتصاد خط الدفاع الأول
لم تعد الحروب تُقاس بعدد الدبابات التي تعبر الحدود، ولا بعدد الطائرات التي تحلق في السماء. ففي عالم اليوم، قد تستيقظ دولة لتجد أن عملتها تتراجع، أو أن سلاسل الإمداد تعطلت، أو أن أسعار الغذاء والطاقة ارتفعت بشكل مفاجئ، دون أن تُطلق رصاصة واحدة. هنا ندرك أن مفهوم الصراع بين الدول لم يعد كما عرفناه لعقود طويلة.
لقد شهد العالم خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة، أثبتت أن الاقتصاد أصبح أحد أهم أدوات النفوذ، وأن القدرة على حماية الموارد، وتأمين الاحتياجات الأساسية، وجذب الاستثمارات، لم تعد قضايا اقتصادية فحسب، بل أصبحت جزءًا من الأمن القومي للدول.
ومن يتأمل خريطة الأزمات الدولية يلاحظ أن كثيرًا من المواجهات لم تبدأ بالسلاح، وإنما بدأت بالعقوبات الاقتصادية، والقيود التجارية، والمنافسة على التكنولوجيا، ومحاولات السيطرة على مصادر الطاقة وسلاسل الإمداد. وأصبحت الدول التي تمتلك اقتصادًا أكثر تنوعًا، وإنتاجًا أكثر استقرارًا، وقدرة أكبر على إدارة مواردها، هي الأكثر قدرة على الصمود أمام التقلبات العالمية.
وفي هذا السياق، تبدو التنمية الاقتصادية أكثر من مجرد تحقيق معدلات نمو أو زيادة في حجم الاستثمارات، فهي تمثل قدرة الدولة على حماية قرارها الوطني من الضغوط الخارجية. فكلما اتسعت قاعدة الإنتاج، وارتفعت كفاءة الإدارة، وازدادت قدرة المجتمع على الابتكار، أصبحت الدولة أكثر استقلالًا في مواجهة الأزمات، وأكثر قدرة على الحفاظ على استقرارها الداخلي.
ولا يعني ذلك أن القوة العسكرية فقدت أهميتها، فهي ستظل ركيزة أساسية في حماية الأوطان. لكن طبيعة التهديدات تغيرت، وأصبح لزامًا على الدول أن تمتلك قوة اقتصادية توازي قوتها العسكرية، لأن الدفاع عن الدولة يبدأ أحيانًا من المصنع والمزرعة والميناء ومراكز البحث العلمي، قبل أن يبدأ من ساحات القتال.
إن بناء اقتصاد قوي لم يعد رفاهية أو خيارًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العالم الجديد، الذي تتشابك فيه المصالح، وتتسارع فيه المتغيرات، وتنتقل فيه الأزمات من دولة إلى أخرى في وقت قياسي. ولهذا، فإن الاستثمار في الإنسان، ودعم الصناعة، وتعزيز الإنتاج، وتطوير البنية التكنولوجية، لم تعد ملفات منفصلة، بل أصبحت حلقات في منظومة واحدة هدفها حماية الدولة وتعزيز قدرتها على المنافسة.
ويبقى الدرس الأهم أن الدول التي تستعد للمستقبل لا تنتظر وقوع الأزمات، بل تبني مناعتها قبل أن تواجهها. فالاقتصاد القوي لا يمنع التحديات، لكنه يمنح الدولة القدرة على تجاوزها بأقل الخسائر، ويحافظ على استقلال قرارها، ويجعلها أكثر قدرة على حماية مصالحها في عالم تتغير فيه موازين القوة كل يوم.
لقد تغيرت أدوات الصراع، لكن الهدف بقي واحدًا: حماية الدولة وصون مصالح شعبها. وإذا كانت الجيوش تحرس الحدود، فإن الاقتصاد أصبح اليوم يحرس الاستقرار، ويصنع القدرة على الصمود، ويفتح الطريق نحو مستقبل أكثر أمنًا وثقة.