علي يسري علي يكتب | الصدام الروسي الأوروبي
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد مواجهة عسكرية تدور داخل حدود أوكرانيا، بل أصبحت أزمة أمنية أوروبية مفتوحة، تتسع حدودها السياسية والعسكرية مع مرور الوقت. ومن وجهة نظري، فإن المرحلة الحالية من الحرب تمثل واحدة من أخطر مراحل الصراع منذ اندلاعه، ليس فقط بسبب شدة العمليات العسكرية، وإنما بسبب اقتراب تداعياتها بصورة متزايدة من دول أوروبية أعضاء في حلف الناتو.
خلال سبتمبر 2026، شهدت الحرب تصعيدًا واضحًا في استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ واستهداف البنية التحتية ووسائل النقل. وفي المقابل، كثفت أوكرانيا هجماتها بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، وصولًا إلى تنفيذ هجوم واسع بأكثر من ألف طائرة مسيرة، في واحدة من أكبر موجات الهجوم على الأراضي الروسية منذ بداية الحرب. وردت روسيا بضربات جديدة على مدن ومنشآت أوكرانية، بما يؤكد أن الطرفين أصبحا يعتمدان بصورة متزايدة على توسيع نطاق الضربات بدلًا من حسم المواجهة ميدانيًا.
الأكثر خطورة في رأيي هو أن التصعيد لم يعد بعيدًا عن الحدود الأوروبية. ففي سبتمبر، تعرض قطار أوكراني لضربة روسية قرب الحدود مع بولندا، على مسافة قصيرة من أراضي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، كما شهدت مناطق حدودية أخرى نشاطًا عسكريًا متزايدًا. وقد دفعت هذه التطورات دولًا أوروبية إلى رفع مستوى الاستعدادات الدفاعية والأمنية، وسط تحذيرات من احتمالات توسع الحرب أو انتقال بعض أشكال الصراع إلى الأراضي الأوروبية.
ومن وجهة نظري، فإن المشكلة الأساسية الآن لا تتمثل فقط في استمرار الحرب، وإنما في غياب مسار سياسي قادر على وقف دائرة التصعيد. فكل ضربة روسية تقابلها ضربة أوكرانية، وكل تصعيد عسكري يؤدي إلى مزيد من الدعم الأوروبي لكييف، وهو ما يدفع موسكو إلى زيادة الضغط العسكري، فتعود الدائرة من جديد. وفي الوقت نفسه، ما زالت الجهود الدبلوماسية تواجه صعوبة كبيرة في الوصول إلى وقف شامل ومستدام لإطلاق النار.
إن استمرار هذا المسار يحمل مخاطر تتجاوز مستقبل روسيا وأوكرانيا. فأوروبا أصبحت أمام معادلة أمنية جديدة، تتداخل فيها الحرب التقليدية مع الهجمات السيبرانية، واستهداف البنية التحتية، والطائرات المسيّرة، والضغوط الاقتصادية والسياسية.
وأرى أن الحل الحقيقي لا يمكن أن يكون في تحويل الحرب إلى مواجهة أوسع بين روسيا وأوروبا، لأن تكلفة ذلك لن يتحملها طرف واحد. المطلوب هو الحفاظ على الدعم السياسي والأمني لأوكرانيا مع فتح مساحة جادة للدبلوماسية، لأن استمرار التصعيد دون أفق سياسي قد يجعل الحرب أكثر اتساعًا وأطول عمرًا، ويجعل أوروبا بأكملها تدفع ثمن صراع بدأ بين دولتين ثم تحول تدريجيًا إلى أزمة أمنية تهدد القارة بأكملها.