د. ميادة إسماعيل تكتب | من يملك حق تشكيل الوعي؟

0

لم تعد المعركة الحقيقية في عصر التكنولوجيا هي الوصول إلى المعلومة، فالمعلومة أصبحت متاحة للجميع تقريبًا، وفي كل لحظة، ومن خلال عشرات المنصات والمصادر.

المعركة الأصعب أصبحت في شيء أكثر عمقًا: كيف نعرف أن ما وصل إلينا حقيقة؟

هذا السؤال لم يعد ترفًا فكريًا، ولا قضية تخص المتخصصين في الإعلام أو التكنولوجيا وحدهم، وإنما أصبح سؤالًا يتعلق بوعي المجتمع وقدرته على حماية نفسه من التضليل، خصوصًا في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي جعل إنتاج النصوص والصور ومقاطع الفيديو والأصوات أمرًا متاحًا بسهولة غير مسبوقة.

لقد انتقلنا من عصر كانت فيه مشكلة الإنسان هي «نقص المعلومات» إلى عصر أصبحت مشكلته الأساسية هي وفرة المعلومات واختلاط الحقيقي بالمفبرك، والموثوق بغير الموثوق، والرأي بالحقيقة.

وهنا تبدأ مسؤولية جديدة.

لم يعد يكفي أن نكون متصلين

لسنوات طويلة، كان الحديث عن التحول الرقمي يرتبط بسرعة الإنترنت، وانتشار الهواتف الذكية، وتطور المنصات، وإتاحة الخدمات الإلكترونية.

لكن المرحلة الحالية تفرض علينا سؤالًا مختلفًا:

هل أصبح الإنسان أكثر وعيًا لمجرد أنه أصبح أكثر اتصالًا؟

الإجابة ليست بالضرورة.

فامتلاك هاتف ذكي لا يعني امتلاك وعي رقمي، والقدرة على الوصول إلى ملايين الصفحات لا تعني القدرة على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة.

المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في الطريقة التي نستخدم بها التكنولوجيا، وفي قدرتنا على التعامل معها بعقل ناقد ومسؤول.

ولهذا أصبحت الثقافة الإعلامية والرقمية جزءًا أساسيًا من بناء الإنسان، وليس مجرد مهارة إضافية.

وفي مصر، ظهرت خلال الفترة الأخيرة تحركات مؤسسية واضحة في هذا الاتجاه، من بينها مشروع يركز على تعزيز قدرة الشباب والإعلاميين على مواجهة المعلومات المضللة، وتنمية التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، وتعزيز مفهوم المواطنة الرقمية المسؤولة.

الذكاء الاصطناعي غيّر السؤال

في الماضي، كان من الممكن أن ننظر إلى صورة أو مقطع فيديو باعتباره دليلًا على وقوع حدث.

أما اليوم، فلم يعد الأمر بهذه البساطة.

أصبح بإمكان تقنيات الذكاء الاصطناعي إنتاج محتوى شديد الواقعية، وهو ما يجعل مهارة التحقق أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وهنا يجب أن نتوقف أمام مفهوم بالغ الأهمية:

ليس كل ما يمكن إنتاجه يستحق أن نصدقه، وليس كل ما ينتشر يستحق أن نعيد نشره.

هذه الجملة يجب أن تتحول من مجرد نصيحة إلى ثقافة مجتمعية.

قبل أن أضغط على زر «مشاركة»، يجب أن أسأل:

من نشر هذه المعلومة؟

ما مصدرها؟

هل توجد جهة موثوقة تؤكدها؟

هل الصورة أصلية أم مقتطعة من سياق آخر؟

هل الفيديو حديث أم قديم وأُعيد استخدامه؟

وهل أنا أنقل معلومة، أم أساهم دون قصد في صناعة رواية غير حقيقية؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تبدو عادية، لكنها في الواقع تمثل أحد أهم خطوط الدفاع عن الوعي العام.

أخطر ما في التضليل أنه لا يحتاج إلى أن يقنع الجميع

المعلومة المضللة لا تحتاج بالضرورة إلى أن يصدقها ملايين الأشخاص.

يكفي أحيانًا أن تنتشر.

يكفي أن تصل إلى آلاف الأشخاص، وأن يعيد بعضهم نشرها، وأن تتحول إلى حديث عام، حتى لو ثبت بعد ذلك أنها غير صحيحة.

ولهذا فإن سرعة انتشار المعلومة أصبحت في بعض الأحيان أسرع من قدرة المجتمع على تصحيحها.

وهنا تظهر مسؤولية الإعلام، والمؤسسات، والأسرة، والمدرسة، والشباب، وصانع المحتوى، بل ومسؤولية المستخدم العادي أيضًا.

لم يعد المواطن مجرد متلقٍ للمحتوى.

كل مستخدم لمنصة رقمية أصبح، بصورة أو بأخرى، جزءًا من منظومة صناعة المعلومات.

قد يصنع منشورًا، أو يعيد نشر خبر، أو يشارك فيديو، أو يكتب تعليقًا، أو يرسل رسالة إلى مجموعة تضم مئات الأشخاص.

وبالتالي أصبح السؤال: «هل أنا إعلامي؟» أقل أهمية من السؤال: «هل أتصرف بمسؤولية عندما أتعامل مع معلومة قد تؤثر في الآخرين؟»

حماية النشء تبدأ قبل أن نطلب منهم الحذر

القضية تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين.

فالأجيال الجديدة نشأت داخل عالم رقمي، وأصبح الهاتف والمنصة جزءًا من حياتها اليومية، ولذلك فإن التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها خطرًا يجب منعه فقط ليس حلًا كافيًا، كما أن ترك الطفل أمام العالم الرقمي دون توعية أو حماية ليس حلًا أيضًا.

المطلوب هو بناء علاقة أكثر توازنًا مع التكنولوجيا.

وفي سبتمبر 2026، اتخذ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إجراءات جديدة لحماية الأطفال والنشء على منصات التواصل الاجتماعي، تضمنت مستويات حماية مرتبطة بالفئات العمرية، مع إجراءات خاصة لمن هم دون الخامسة عشرة.

كما أُطلقت في مصر خدمات رقمية تهدف إلى توفير بيئة أكثر أمانًا للأطفال أثناء استخدام الإنترنت عبر الهواتف المحمولة.

لكن الحماية التقنية وحدها لا تكفي.

فالطفل الذي يعرف كيف يستخدم الهاتف يحتاج أيضًا إلى أن يعرف كيف يفكر أثناء استخدامه.

يحتاج أن يعرف أن الصورة قد تكون مزيفة، وأن الحساب قد لا يكون حقيقيًا، وأن الشخص الذي يتحدث معه عبر الإنترنت قد لا يكون بالضرورة من يدعي أنه هو، وأن مشاركة معلومة شخصية قد تكون لها نتائج لا يدركها في لحظتها.

وهنا يأتي دور الأسرة والمؤسسة التعليمية والإعلام وصانع المحتوى.

نحتاج إلى مواطن رقمي.. لا مستخدم رقمي فقط

الفرق بين الاثنين كبير.

المستخدم الرقمي يعرف كيف يدخل إلى المنصة.

أما المواطن الرقمي فيعرف كيف يستخدمها بمسؤولية.

المستخدم الرقمي يبحث عن المعلومة.

أما المواطن الرقمي فيسأل عن مصدرها.

المستخدم الرقمي يشارك ما يراه.

أما المواطن الرقمي فيفكر أولًا في أثر مشاركته.

وهذا هو التحول الذي نحتاج إليه.

نحن لا نحتاج إلى جيل يخاف من التكنولوجيا، وإنما إلى جيل يفهم التكنولوجيا.

لا نحتاج إلى شباب يبتعدون عن المنصات، وإنما إلى شباب قادر على التعامل معها بوعي.

ولا نحتاج إلى إغلاق أبواب المعرفة، وإنما إلى تعليم الإنسان كيف يميز بين المعرفة الحقيقية والمحتوى المضلل.

الوعي الوطني في عصر المنصات

الحفاظ على الهوية والوعي الوطني لم يعد مرتبطًا فقط بالكتب والمناهج والمؤسسات الثقافية التقليدية.

اليوم، جزء كبير من تشكيل الوعي يحدث على شاشة الهاتف.

وهناك تتقاطع الثقافة مع الإعلام، والتاريخ مع المحتوى الرقمي، والهوية مع الصورة، والوعي مع الخوارزميات.

وقد شهد سبتمبر 2026 انعقاد مؤتمر وطني حول الهوية المصرية، ناقش من بين تحديات المرحلة الراهنة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والمعلومات المضللة والخطاب المتطرف على الوعي والهوية، بمشاركة واسعة من الشباب.

وهذا يعكس حقيقة مهمة:

معركة الوعي لم تعد تحدث في مكان واحد.

هي تحدث في المدرسة، والجامعة، والشارع، ووسائل الإعلام، والمنصة الرقمية، وغرفة الدردشة، وحساب المواطن على مواقع التواصل.

ولهذا فإن بناء الوعي يحتاج إلى منظومة متكاملة، لا إلى ردود أفعال مؤقتة.

من يمتلك المعلومة لا يمتلك بالضرورة الحقيقة

ربما تكون هذه هي الفكرة التي يجب أن نتوقف أمامها.

في الماضي، كان امتلاك المعلومة يمنح الإنسان قوة.

أما اليوم، فالقوة الحقيقية تكمن في القدرة على التحقق من المعلومة وفهم سياقها واستخدامها بمسؤولية.

وفي عالم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن ينتج محتوى مقنعًا خلال لحظات، تصبح قيمة الإنسان في قدرته على التوقف قبل التصديق.

أن يسأل.

أن يتحقق.

أن يقارن.

أن يفهم السياق.

وأن يدرك أن «الانتشار» ليس دليلًا على «الحقيقة».

مسؤوليتنا تبدأ من زر المشاركة

قد يبدو زر «مشاركة» صغيرًا جدًا أمام قضايا كبرى مثل الأمن المجتمعي والوعي والهوية.

لكن تأثيره قد يكون أكبر مما نتخيل.

لأن كل معلومة نشاركها يمكن أن تنتقل إلى شخص آخر، ثم إلى مجموعة أخرى، ثم إلى آلاف الأشخاص.

ومن هنا فإن المسؤولية الرقمية لا تبدأ من المؤسسات فقط.

تبدأ من الفرد.

من الطالب.

من الشاب.

من ولي الأمر.

من الصحفي.

من صانع المحتوى.

ومن كل شخص يمسك هاتفًا ويملك القدرة على نشر معلومة في ثوانٍ.

إن بناء مجتمع قادر على مواجهة التضليل لا يحتاج فقط إلى قوانين وتقنيات، وإنما يحتاج قبل كل شيء إلى إنسان يمتلك عقلًا ناقدًا وضميرًا مسؤولًا.

وفي النهاية، قد تتغير المنصات، وتتطور الخوارزميات، وتتضاعف قدرات الذكاء الاصطناعي، لكن يبقى السؤال الأهم ثابتًا:

عندما يصبح بإمكان أي شخص أن يصنع أي رواية تقريبًا.. هل سنكون قادرين على معرفة الحقيقة؟

الإجابة لن تحددها التكنولوجيا وحدها.

بل سيحددها مستوى وعينا.

لأن المستقبل لن يكون لمن يمتلك أكبر قدر من المعلومات، وإنما لمن يمتلك القدرة على فهمها، والتحقق منها، وتحمل مسؤولية ما يختار أن يصدقه وما يختار أن ينشره.

وهنا تحديدًا تصبح الحقيقة مسؤولية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.