د. نورهان هانئ تكتب | الانتماء والمستقبل
جيل بلا انتماء.. مستقبل بلا هوية
لم يعد الحديث عن الانتماء للوطن ترفًا فكريًا
بل أصبح ضرورة حقيقية في ظل متغيرات متسارعة تعيد تشكيل وعي الأجيال الجديدة
المشهد الذي يستحق التوقف أمامه أن مفهوم الوطن بدأ يتراجع انشغلت الأسرة بتفاصيل الحياة اليومية
وانشغل الأبناء بعالمهم الرقمي حتى أصبحت الشاشات حاضرة أكثر من الحوار
وأصبح الهاتف أقرب إلى أفراد الأسرة من بعضهم البعض
وفي الوقت نفسه
نشهد جيلًا يبحث منذ سنواته الأولى عن فرص التعليم والعمل والسفر خارج الوطن
وهو أمر ليس مرفوضًا في ذاته فالعلم والخبرة حق
والانفتاح على العالم ضرورة
لكن السؤال الأهم
هل نُربي أبناءنا على أن السفر فرصة لاكتساب الخبرة
أم على أن المستقبل لا يمكن أن يكون داخل وطنهم؟
الفارق كبير.
فالانتماء لا يعني أن نغلق أبوابنا أمام العالم
وإنما يعني أن نخرج إليه ونحن نعرف من نحن
وماذا نريد
وماذا يمكن أن نقدم لوطننا
وهنا يأتي الدور الغائب أو المتراجع لـ التربية الوطنية.
التربية الوطنية ليست مجرد درس يُحفظ
ولا كلمات تُردد في المناسبات وإنما هي وعي يبدأ منذ الطفولة ما معنى الوطن؟
ما معنى المواطنة؟
ما حقوق المواطن وما واجباته؟
ما قيمة القانون؟
وما مسؤوليتي تجاه المجتمع والدولة؟
ومن المؤسف أن يصل بعض أبنائنا إلى مراحل عمرية متقدمة دون معرفة حقيقية بهذه المفاهيم الأساسية.
المسؤولية هنا ليست مسؤولية المدرسة وحدها.
البيت هو المدرسة الأولى للانتماء.
حين تتحدث الأسرة مع أبنائها عن مصر
وتاريخها
ومجتمعها
وتحدياتها
وما يتحقق فيها من إنجازات وتعلمهم أن النقد لا يعني الرفض وأن الاختلاف لا يعني فقدان الانتماء
فإنها تضع اللبنة الأولى لإنسان واعٍ بوطنه
ثم تأتي المدرسة والجامعة لاستكمال هذا البناء.
الحفاظ على مظاهر التربية الوطنية
مثل تحية العلم والنشيد الوطني والأنشطة التي تعزز المشاركة والمسؤولية
نحن لا نحتاج إلى جيل يحفظ كلمات عن حب الوطن
بقدر ما نحتاج إلى جيل يفهم معنى الوطن
ويؤمن بدوره فيه
ويمتلك وعيًا حقيقيًا بقضاياه ومستقبله.
جيل يستطيع أن يتعلم في الخارج دون أن يفقد جذوره
وأن يبحث عن فرصة دون أن يفقد إحساسه بالمسؤولية
وأن ينفتح على العالم دون أن يتخلى عن هويته.
الانتماء لا يُفرض.. الانتماء يُبنى.
أخطر ما يمكن أن نتركه للأجيال القادمة ليس نقص المعلومات وإنما غياب الإحساس بالانتماء.
جيل بلا انتماء.. مستقبل بلا هوية.