محمد ياسر الكومي يكتب | الزواج بين الدين والخلق والمكانة الاجتماعية

0

الزواج من أعظم الروابط التي شرعها الله، وهو ليس مجرد ارتباط بين شاب وفتاة، وإنما بناء أسرة تقوم على المودة والرحمة والسكن والتعاون.

ومع ذلك، قد تتحول مسألة الزواج أحيانًا إلى حسابات كثيرة تتعلق بالمستوى الاجتماعي، ونسب العائلة، والدخل، والمظاهر، وتكاليف الزواج، حتى يصبح الشاب مطالبًا بأن يحقق في بداية حياته ما قد يحتاج إلى سنوات طويلة ليصل إليه.

ومن الطبيعي أن يحرص الأب والأم على مستقبل ابنتهما، وأن يبحثا عن الرجل الذي يستطيع تحمل المسؤولية وصيانة ابنتهما وحسن معاشرتها، وهذا أمر مشروع ومحمود.

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو:

هل ينبغي أن تكون المكانة الاجتماعية والقدرة المالية هي المعيار الأهم، أم أن الدين والخلق والمسؤولية ينبغي أن تكون في مقدمة المعايير؟

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

[الحجرات: 13]

فالكرامة الحقيقية عند الله ليست بالمال ولا بالجاه ولا باسم العائلة، وإنما بالتقوى.

وقد وضع رسول الله ﷺ معيارًا واضحًا في اختيار الزوج، فقال:

«إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»

رواه الترمذي.

وهنا تأتي رسالة مهمة لكل أسرة: لا تجعلوا الإمكانات المادية وحدها تحجب عنكم صفات قد تكون أهم لبناء حياة زوجية مستقرة.

فالشاب قد لا يكون قد امتلك كل شيء في بداية حياته، لكنه قد يكون صاحب دين وخلق، حسن المعاملة، جادًا في عمله، طموحًا، وقادرًا على تحمل المسؤولية بحسب إمكاناته.

والإنسان لا يبدأ حياته مكتمل الإمكانات، وإنما يبني نفسه خطوة بعد خطوة.

قال الله تعالى:

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾

[النور: 32]

والآية تفتح باب الأمل، وتذكرنا بأن ضيق الحال في مرحلة من مراحل الحياة ليس بالضرورة دليلًا على سوء المستقبل.

بين الكفاءة والمبالغة

ليس المقصود من الدعوة إلى التيسير أن يتخلى الأهل عن حقهم في السؤال عن الشاب والتأكد من دينه وأخلاقه وعمله وقدرته على تحمل المسؤولية.

بل هذه أمور مهمة، والزواج قرار يحتاج إلى عقل وحكمة وتأنٍ.

لكن هناك فرق بين طلب الكفاءة وبين تحميل الشاب أعباء تفوق قدرته، أو ربط قبول الزواج بمستوى اجتماعي محدد لا يستطيع الوصول إليه إلا بعد سنوات.

فإذا كان الشاب جادًا، صاحب خلق ودين، ويعمل ويسعى لبناء مستقبله، فلماذا لا يُنظر إلى ما هو عليه اليوم وما يمكن أن يكون عليه غدًا، بدل أن يُحكم عليه فقط بما يملكه في بداية الطريق؟

لا تجعلوا تكاليف الزواج عائقًا أمام الحلال

لقد أصبح الزواج في بعض البيئات يحمل من التكاليف والمطالب ما يجعل الشاب يتردد أو يعجز عن الإقدام عليه، وربما يضطر إلى الاستدانة وتحمل أعباء كبيرة قبل أن تبدأ حياته الزوجية.

والدين لم يجعل قيمة الزواج في كثرة التكاليف، وإنما جعل أساسه السكن والمودة والرحمة.

قال تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

[الروم: 21]

فليكن السؤال: كيف نبني بيتًا ناجحًا؟

وليس فقط: كيف نقيم زواجًا يليق بنظر الناس؟

لا تحكموا على الشاب من بدايته

من حق الفتاة وأهلها أن يبحثوا عن الأمان والاستقرار، لكن من المهم أيضًا أن ندرك أن الشاب في بداية حياته قد لا يمتلك ما سيملكه بعد سنوات.

قد يبدأ بعمل بسيط، ثم يطور نفسه.

وقد يسكن في بيت متواضع، ثم يوسع الله عليه.

وقد تكون إمكاناته محدودة، لكن طموحه كبير وحرصه على أسرته أكبر.

والتاريخ مليء بأشخاص بدأوا من إمكانات بسيطة، ثم صنعوا لأنفسهم ولأسرهم حياة كريمة.

لذلك، لا تجعلوا قلة المال في بداية الطريق دليلًا على قلة القيمة.

الزواج ليس منافسة اجتماعية

من الجميل أن تحافظ الأسرة على مكانتها وسمعتها، ولكن الأجمل ألا تتحول هذه المكانة إلى حاجز يمنع زواجًا صالحًا.

فالمكانة الاجتماعية تتغير، والمال يزيد وينقص، والمظاهر تزول، أما حسن الخلق والدين وحسن العشرة فهي أمور تبقى آثارها داخل البيت كل يوم.

وقد قال النبي ﷺ:

«تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»

متفق عليه.

فإذا كان الدين والخلق من أعظم ما وجّه إليه النبي ﷺ، فجدير بنا أن نجعلهما في مقدمة ما ننظر إليه عند اختيار شريك الحياة.

رسالة محبة إلى الآباء والأمهات

أبناؤكم وبناتكم أمانة، ومن أعظم صور الأمانة أن نبحث لهم عن الإنسان المناسب، لا عن الصورة الاجتماعية المثالية.

اسألوا عن دين الشاب وخلقه، وعن أمانته ومسؤوليته، وعن قدرته على العمل والسعي، وعن طريقة تعامله مع الناس وأهله، وعن نظرته للحياة والزواج.

ثم انظروا إلى إمكاناته المادية بعقل وحكمة، من غير تعجيز ولا مبالغة.

فليس المطلوب أن نتجاهل المال والمسؤولية، وإنما المطلوب ألا نجعل المال وحده معيارًا لقيمة الإنسان.

ورب شاب بسيط الإمكانات اليوم، يكون بعد سنوات زوجًا صالحًا وأبًا ناجحًا، ورب رجل كثير المال لا يستطيع أن يمنح زوجته ما هو أهم من المال: الأمان والاحترام والمودة وحسن العشرة.

وأخيرًا

فلنحاول أن نجعل الزواج أيسر وأقرب إلى مقاصد الشريعة، وأن نُعين الشباب على الحلال بدل أن نجعل الطريق إليه شديد الصعوبة.

ليس معنى التيسير أن نتنازل عن حقوق بناتنا، ولا أن نقبل بمن لا يصلح زوجًا، وإنما معناه أن نوازن بين الدين والخلق والكفاءة والمسؤولية وبين الإمكانات المادية، دون إفراط أو تعسير.

ولنتذكر دائمًا قول الله تعالى:

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ﴾

وقول النبي ﷺ:

«إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه».

فليكن الدين والخلق أساسًا، ولتكن الأمور المادية في حدود الاستطاعة، ولنعطِ الشباب فرصة أن يبدأوا حياتهم ويبنوها بأنفسهم.

فقد لا يستطيع الشاب أن يقدم في بداية الطريق كل ما نتمناه، لكنه يستطيع أن يقدم دينًا وخلقًا، وصدقًا، ومسؤولية، وطموحًا، ورغبة حقيقية في بناء بيت كريم.

وهذه أحيانًا هي الثروة الحقيقية التي يحتاج إليها الزواج.

اللهم يسّر الحلال لشباب المسلمين، وبارك للآباء والأمهات في قراراتهم، وارزق أبناءنا وبناتنا من يعينهم على طاعتك، واجعل بيوتهم عامرة بالمودة والرحمة والسعادة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.