د. حسن هجرس يكتب |  أكتوبر.. نصر يصنع المستقبل

0

في السادس من أكتوبر، لا يستعيد المصريون ذكرى حرب انتهت، وإنما يستعيدون واحدة من أعظم لحظات الإرادة المصرية حين قرر الجيش المصري أن يعبر المستحيل قبل أن يعبر قناة السويس.

في ذلك اليوم، لم يكن العبور مجرد عملية عسكرية، بل كان اختبارا لقدرة المصريين على التخطيط والصبر وإعادة بناء القوة والثقة بالنفس. عبرت القوات المسلحة قناة السويس، واقتحمت خط بارليف، وأقامت رؤوس الكباري على الضفة الشرقية، في عملية عسكرية أثبتت قيمة الإعداد الدقيق والتخطيط والتنفيذ المنضبط.

ويبقى نصر أكتوبر قبل كل شيء انتصارا لإرادة شعب، وجيش، ودولة قررت أن تستعيد قدرتها على الفعل بعد سنوات صعبة.

وهنا تكمن قيمة أكتوبر الحقيقية.

فالنصر لم يولد يوم السادس من أكتوبر فقط، وإنما سبقه إعداد طويل وإعادة بناء للقوات المسلحة وتراكم للخبرة والتخطيط، ثم جاء قرار الحرب الذي اتخذه الرئيس الراحل محمد أنور السادات أحد أبرز قرارات الدولة المصرية في تاريخها الحديث ليفتح الطريق أمام استعادة الأرض ثم الانتقال إلى مسار السلام. وتؤكد وثائق القوات المسلحة أن عملية العبور حققت مهامها المباشرة وأسهمت في تغيير المعادلات التي كانت قائمة قبل الحرب.

لكن أكتوبر يعلمنا أيضا أن الدول لا تنتصر بالبطولة وحدها.

الدولة تنتصر عندما تجمع بين الإرادة والتخطيط والعلم والانضباط وحسن إدارة الموارد والقدرة على اتخاذ القرار.

وهذه هي الرسالة التي يجب أن نأخذها معنا من أكتوبر إلى الجمهورية الجديدة.

فمصر اليوم لا تخوض حربا لتحرير أرض محتلة، وإنما تخوض معركة أخرى من أجل بناء دولة قوية، واقتصاد أكثر قدرة وبنية أساسية حديثة ومؤسسات أكثر كفاءة، وتنمية تصل إلى مختلف المحافظات، وقدرة وطنية تحمي القرار المصري ومصالح الدولة.

وإذا كان جيل أكتوبر قد عبر قناة السويس، فإن واجب الأجيال الحالية أن تعبر بمصر إلى مرحلة جديدة من التنمية والبناء.

وهنا تتصل حلقات التاريخ.

من مدرسة بناء الدولة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، إلى قرار الحرب والسلام في عهد الرئيس محمد أنور السادات، إلى معركة إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحديثها في عهد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تظل القاعدة واحدة: الدولة القوية لا تنتظر المستقبل.. وإنما تصنعه بسواعد أبنائها المخلصين.

والجمهورية الجديدة ليست مجرد مشروعات أو طرق ومدن جديدة، رغم أهمية كل ذلك، وإنما هي محاولة لبناء دولة أكثر قدرة على التخطيط والتنفيذ، وتحويل الإمكانات المصرية إلى قوة اقتصادية وتنموية، والاستثمار في الإنسان، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على مواجهة التحديات.

ولهذا فإن الاحتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يتوقف عند رفع الأعلام واستعادة صور العبور، بل يجب أن يتحول إلى سؤال للمستقبل:

هل نستطيع أن نمتلك في معركة التنمية نفس الإرادة التي امتلكها المصريون في معركة أكتوبر؟

الإجابة يجب أن تكون نعم.

فالمصري الذي عبر قناة السويس قادر على عبور تحديات الاقتصاد والتنمية، إذا امتلك رؤية واضحة، ومؤسسات قوية، وإدارة كفؤة، وإرادة وطنية تتعامل مع المستقبل باعتباره مسؤولية لا أمنية.

في ذكرى أكتوبر، تحية إلى شهدائنا الذين دفعوا ثمن النصر، وتحية إلى رجال القوات المسلحة المصرية الذين كتبوا بدمائهم واحدة من أنصع صفحات التاريخ المصري، وتحية إلى الرئيس أنور السادات الذي اتخذ قرار الحرب، وإلى كل من أسهم في بناء القوة المصرية التي صنعت العبور.

وتبقى الرسالة الأهم: كما صنعت مصر نصر أكتوبر بالإرادة والتخطيط، تستطيع أن تصنع نصرها في معركة التنمية وبناء الجمهورية الجديدة.

فأكتوبر ليس مجرد ذكرى نحتفل بها كل عام.

أكتوبر مدرسة.. والجمهورية الجديدة هي امتحان المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.