د. رامي جلال يكتب | أكتوبر.. نصر لا يحتاج إلى “لايك”

0

كل عام ومصر بخير وسلام، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لنصر مصرى عظيم: حرب أكتوبر كما نعرفها فى مصر، أو حرب تشرين فى سوريا، أو حرب يوم الغفران فى إسرائيل. وهى ليست مجرد واقعة عسكرية فى كتاب التاريخ، بل واحدة من مكوّنات الوجدان المصرى، مثل انتصار عين جالوت بقيادة سيف الدين قطز، وحطين بقيادة صلاح الدين.

لو عاش بعض «نشطاء» مواقع التواصل الاجتماعى الموجودين بيننا هذه الأيام فى أثناء حرب أكتوبر المجيدة، لخرج علينا من يقول إن مشاهد العبور وهمية ومصنوعة بـ«الفوتوشوب»، أو إن استخدام القوة ضد العدو يتنافى مع قيم التعايش والسلام.

ولأخرج لنا حكماء المنصات من بطونهم ما تيسر من عبارات شديدة العمومية، بالغة السطحية، تجتذب ـ كمصيدة الناموس ـ أصحاب العقول العميقة والمجوّفة؛ عبارات من عينة: «العنف لا يؤدى إلا إلى العنف»، و«التعايش السلمى هو أقصر طريق إلى المستقبل»، أو: «دعونا لا نُغفل مبادئ حركة 5 يونيو»!

وسيبدأ آخرون فى التنظير وتصدير أطروحات من عينة: «وجّهوا أموال الحرب والتسليح إلى الغلابة»، و«ما معنى الوطن؟ وما أهمية الأرض؟». وسيخرج إعلاميوهم بنظرية: «بلاها سينا.. الشقة واسعة ونستطيع العيش فى أى حتة»، وكأن الأوطان تُقاس بالمتر، ويمكن الاستغناء عن غرفة منها متى ارتفعت تكلفة استعادتها!

ورغم أن هذا المشهد متخيّل، فإنه ليس بعيدًا تمامًا عن الواقع. فبعد أكثر من نصف قرن على انتصارات أكتوبر، ظهرت أصوات ممن يقدّمون أنفسهم بوصفهم «نشطاء»، تزعم أننا هُزمنا فى الحرب، أو أننا ـ فى أحسن الأحوال ـ لم نحقق أى نصر. بينما يمثل انتصار مصر فى حرب التحرير جزءًا أصيلًا من وجدان المصريين، ومن ملامح صورتهم الإيجابية عن أنفسهم.

ومن حق الباحث المتخصص أو المؤرخ الجاد أن يناقش خطة الحرب، والثغرة، والخسائر، والقرارات، وحدود ما تحقق فى ساحة القتال؛ فالتاريخ لا يُصان بمنع الأسئلة أو إغلاق باب البحث. لكن المناقشة العلمية شىء، وتحويل تعقيدات الحرب إلى إنكار كامل للنصر شىء آخر تمامًا.

المشكلة ليست فى اختلاف الرأى، وإنما فى ترديد مقولات بلا معرفة أو سند، بما يُحدث فى الوعى العام أثرًا قد تعجز عنه حملات دعائية معادية. فمن ينكر النصر مطالب بأن يقدم تعريفه للنصر، ومصادره، ومنطقه، لا أن يلتقط عبارة من هنا وأخرى من هناك، ثم يكررها ببغائية وكأن ارتفاع صوته يعوّض غياب الحُجة.

والحقيقة الاستراتيجية الواضحة أن الخطة المصرية لم تكن تستهدف تحرير سيناء كاملةً فى ضربة واحدة، وإنما عبور القناة، وتحطيم خط بارليف، واستعادة جزء من الأرض، وكسر حالة الجمود، وتغيير ميزان القوى، ثم التفاوض من موقع جديد بعدما ثبت أن الاحتلال ليس قدرًا دائمًا، وأن العبور يمكن أن يحدث مرة أخرى.

لم يكن العبور نهاية الطريق، بل كان البداية التى جعلت استعادة بقية الأرض ممكنة. وهذا ما حدث بالفعل؛ فقد استُعيدت سيناء كاملةً، بالحرب ثم التفاوض والتحكيم. وليس فى ذلك انتقاص من قيمة السلاح، ولا مبالغة فى دور السياسة، بل هو تعريف النصر حين تنجح القوة فى تحقيق هدف سياسى واستراتيجى أكبر منها.

يمكن لأى شخص اليوم أن ينتصر فى معركة افتراضية، وأن يجمع آلاف الإعجابات والتغريدات، من دون أن يتحرك خطوة واحدة على الأرض. لكن مصر، حين احتاجت إلى الرجال، وجدت رجالًا حقيقيين لا افتراضيين؛ عبروا القناة من دون انتظار «لايك»، وصنعوا النصر من دون حاجة إلى «تغريدة».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.