د. ميادة إسماعيل تكتب | الانتباه ساحة المعركة
حين يصبح الانتباه ساحة المعركة.. من يملك عقول الشباب في عصر السرعة؟
لم تعد معارك العصر تُخاض فقط في ميادين السياسة والاقتصاد، ولم تعد القوة تقاس فقط بحجم ما تمتلكه الدول من موارد أو تكنولوجيا، فهناك معركة أخرى أكثر هدوءًا، تحدث كل يوم أمام أعيننا دون أن ننتبه إليها: معركة السيطرة على انتباه الإنسان.
نحن نعيش في زمن أصبح فيه الإنسان محاصرًا بكم هائل من المعلومات والصور والأخبار والفيديوهات والإعلانات، وكل طرف يحاول أن يحصل على جزء من وقته وتركيزه. وفي وسط هذا الزحام، أصبح الانتباه نفسه موردًا نادرًا، وأصبح من يستطيع جذب انتباه الإنسان قادرًا بدرجة كبيرة على التأثير في أفكاره ومشاعره واختياراته.
وتزداد أهمية هذه القضية عندما نتحدث عن الشباب، لأن الشاب اليوم لا يعيش فقط في مجتمعه المحلي، بل يعيش في عالم مفتوح تصله فيه الأفكار والأحداث والاتجاهات في اللحظة نفسها التي تحدث فيها. وهذه المساحة الواسعة من المعرفة تمثل فرصة هائلة، لكنها في الوقت ذاته تضع مسؤولية أكبر على الإنسان في اختيار ما يصدق، وما يتابع، وما يشارك، وما يسمح له بالتأثير في طريقة تفكيره.
المشكلة إذن ليست في الهاتف، ولا في مواقع التواصل، ولا في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في أن يتحول الإنسان من مستخدم لهذه الأدوات إلى شخص تتحكم الأدوات في انتباهه دون أن يشعر. فعندما يصبح الانتقال المستمر بين المقاطع أسرع من قدرتنا على التفكير، وعندما يصبح العنوان أهم من مضمون الخبر، وعندما نحكم على قضية كاملة من مقطع لا يتجاوز ثواني، فإننا لا نواجه مجرد تغير في طريقة استخدام التكنولوجيا، بل تغيرًا في طريقة تكوين الوعي نفسه.
الأخطر أن ثقافة السرعة قد تجعلنا نبحث دائمًا عن الإجابة السهلة والنتيجة الفورية، بينما معظم القضايا الحقيقية لا تعمل بهذه الطريقة. بناء الإنسان يحتاج إلى سنوات، والنجاح يحتاج إلى صبر، وفهم المجتمع يحتاج إلى قراءة، واتخاذ القرار يحتاج إلى معرفة، والحكم على القضايا العامة يحتاج إلى رؤية كاملة لا إلى انطباع عابر.ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، أصبح هذا التحدي أكثر وضوحًا. فالتكنولوجيا أصبحت قادرة على إنتاج النص والصورة والصوت والمعلومة بسرعة غير مسبوقة، وهو ما يفتح فرصًا عظيمة أمام الشباب، لكنه في الوقت نفسه يجعل امتلاك مهارة التفكير النقدي أكثر ضرورة من أي وقت مضى. فحين يصبح إنتاج المحتوى سهلًا إلى هذه الدرجة، تصبح قدرتنا على السؤال والتحقق والتمييز أهم من قدرتنا على الاستهلاك.
ومن هنا فإن قضية الوعي لم تعد تعني فقط أن نقدم للشباب المعلومات، بل أن نعلمهم كيف يتعاملون معها. أن نمنحهم القدرة على التحقق قبل المشاركة، والتحليل قبل الحكم، والاستماع قبل الرد، والاختلاف دون خصومة، وأن ندربهم على إدراك أن ليس كل ما ينتشر صحيحًا، وليس كل ما يثير الجدل مهمًا، وليس كل ما يحصد ملايين المشاهدات جديرًا بأن يحتل مساحة من عقولنا.وهنا يأتي الدور الحقيقي للمؤسسات الشبابية والسياسية والمجتمعية؛ فالمطلوب ليس أن نطلب من الشباب الابتعاد عن العالم الرقمي، فهذا العالم أصبح جزءًا من حاضرهم ومستقبلهم، وإنما أن نساعدهم على أن يكونوا فاعلين فيه لا أسرى له، وأن ننتقل من مجرد تقديم المحتوى إلى صناعة محتوى قادر على المنافسة، يجمع بين الجاذبية والقيمة، وبين سرعة الوصول وعمق الفكرة.
إن أخطر ما يمكن أن نخسره في عصر التكنولوجيا ليس المعلومات، لأن المعلومات أصبحت متاحة بصورة غير مسبوقة، وإنما أن نخسر قدرتنا على التفكير الهادئ وسط هذا الضجيج. فالمجتمع الواعي ليس المجتمع الذي يعرف كل شيء، وإنما المجتمع الذي يعرف كيف يميز، وكيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يرفض أن يكون مجرد متلقٍ لما يختاره الآخرون له.
ولهذا فإن معركة المستقبل قد لا تكون حول من يمتلك أكبر قدر من المعلومات، وإنما حول من يستطيع أن يحافظ على انتباهه ووعيه وحقه في اختيار ما يستحق أن يشغل عقله.
ففي عالم يتنافس الجميع فيه على ثوانٍ من انتباهنا، يصبح الحفاظ على الانتباه شكلًا من أشكال الحفاظ على الحرية، ويصبح بناء الوعي مسؤولية تتجاوز نشر المعلومات إلى بناء إنسان قادر على التفكير والاختيار والمشاركة.
لأن من يملك انتباهه، يستطيع أن يملك قراره.. ومن يملك قراره، يستطيع أن يكون شريكًا حقيقيًا في صناعة مستقبل وطنه.