إسلام عبد الرحيم يكتب | أكتوبر.. الإرادة والنصر
في السادس من أكتوبر عام 1973، لم تكن مصر على موعد مع معركة عسكرية فحسب، بل كانت على موعد مع ميلاد جديد للإرادة المصرية، حين استطاعت القوات المسلحة أن تعبر أصعب الحواجز، وتستعيد الثقة، وتثبت للعالم أن الشعوب التي تمتلك إرادة حقيقية قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع والانكسار إلى انتصار.
وتظل حرب أكتوبر المجيدة واحدة من أعظم صفحات التاريخ المصري الحديث، ليس فقط بما حققته من إنجاز عسكري سيظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال، وإنما بما جسدته من نموذج فريد في التخطيط والإعداد والصبر والانضباط وتوحيد الصفوف من أجل هدف وطني واحد.
لم يكن العبور مجرد عبور لقناة السويس، وإنما كان عبورًا من مرحلة إلى أخرى؛ عبورًا من آثار الهزيمة إلى استعادة الثقة، ومن الانتظار إلى الفعل، ومن الحسابات الصعبة إلى القدرة على صناعة القرار.
وفي ملحمة أكتوبر، أثبت الجندي المصري أن قوة الإنسان لا تقاس بما يملكه من إمكانات فقط، وإنما بما يمتلكه من عقيدة وإرادة وإيمان بوطنه وقدرته على الدفاع عنه.
لقد كان نصر أكتوبر ثمرة سنوات من الإعداد والتخطيط والعمل المتواصل، وتجسيدًا لقدرة الدولة المصرية ومؤسساتها على تحويل التحديات إلى فرص، والضغوط إلى دوافع للإنجاز، وهو الدرس الذي لا تزال مصر في حاجة إليه في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
من معركة السلاح إلى معركة البناء
إذا كانت معركة أكتوبر قد أثبتت قدرة المصريين على تحقيق النصر في ميدان القتال، فإن معركة اليوم تتمثل في بناء دولة قوية، واقتصاد أكثر قدرة على الصمود، ومجتمع يمتلك أدوات التقدم، ودولة تحمي أمنها القومي وتصون مقدرات شعبها.
وهنا تبرز أهمية استلهام روح أكتوبر في مختلف مجالات الحياة فالإرادة التي صنعت العبور قادرة على صناعة نهضة اقتصادية وتنموية، إذا اقترنت بالتخطيط والعمل والإنتاج وتحمل المسؤولية.
وكما كان الجندي المصري في أكتوبر جزءًا أصيلًا من معركة الوطن، فإن المواطن اليوم هو شريك أساسي في معركة البناء والتنمية، من خلال العمل والإنتاج والالتزام والحفاظ على مقدرات الدولة.
الوعي.. خط الدفاع الأول عن الدولة
ولعل أحد أهم دروس أكتوبر في زمننا الراهن هو أن المعركة لا تكون دائمًا بالسلاح فهناك معارك أخرى تستهدف الوعي والثقة والانتماء.
وفي ظل الأزمات والصراعات التي تشهدها المنطقة، يصبح الوعي الوطني ضرورة وليس رفاهية، كما يصبح الحفاظ على تماسك المجتمع والوقوف خلف مؤسسات الدولة مسؤولية مشتركة.
فالدولة التي تمتلك وعيًا شعبيًا حقيقيًا تكون أكثر قدرة على مواجهة الشائعات ومحاولات بث الفوضى والتشكيك، وأكثر قدرة على حماية أمنها القومي ومصالحها.
روح أكتوبر.. طريق مصر إلى المستقبل
بعد أكثر من خمسة عقود، لم تعد قيمة أكتوبر مرتبطة بذكريات الماضي وحدها، وإنما أصبحت روحه درسًا متجددًا يمكن أن تستفيد منه الأجيال الحالية في كل معركة تخوضها مصر من أجل المستقبل.
فالعبور الحقيقي لا يتوقف عند عبور قناة السويس، وإنما يمتد إلى عبور التحديات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، وإلى بناء دولة أكثر قوة وقدرة واستقرارًا.
إن مصر التي استطاعت في أكتوبر أن تواجه تحديًا بدا للكثيرين بالغ الصعوبة، قادرة اليوم أيضًا على تجاوز تحدياتها، متى توحدت الإرادة، وتكاملت مؤسسات الدولة، وشارك المواطن في تحمل المسؤولية، وأصبح العمل والإنتاج والانتماء عنوانًا للمرحلة المقبلة.
أكتوبر.. ذاكرة وطن ورسالة أجيال
سيظل السادس من أكتوبر يومًا خالدًا في وجدان المصريين، وشاهدًا على أن الإرادة الوطنية حين تتوحد تستطيع تغيير مسار التاريخ.
وسيظل أبطال القوات المسلحة الذين صنعوا النصر رمزًا للتضحية والفداء، ودليلًا على أن الوطن لا يحميه إلا أبناؤه، وأن التحديات مهما بلغت صعوبتها لا تستطيع كسر شعب يؤمن بقدرته على تجاوزها.
وفي ذكرى نصر أكتوبر العظيم، تبقى الرسالة الأهم للأجيال الجديدة واضحة: لا مستحيل أمام الإرادة المصرية، ولا تحدٍ أكبر من وطن يعرف كيف يصنع من المحنة قوة، ومن التحدي إنجازًا، ومن العبور بداية جديدة نحو مستقبل أكثر قوة واستقرارًا.
فأكتوبر لم يكن مجرد نصر في معركة، وإنما كان إعلانًا خالدًا بأن مصر حين تريد تستطيع، وحين تتوحد إرادتها تصنع التاريخ.