محمود المناعي يكتب | أكتوبر.. مذكرات القادة

0

في السادس من أكتوبر 1973، عبر الجيش المصري قناة السويس وحطّم أسطورة خط بارليف، ذلك الحصن الذي قال عنه الإسرائيليون إنه لا يُخترق. لكن ما حدث في ساعات قليلة جعل جولدا مائير، رئيسة الوزراء الإسرائيلية، تصف الخط بعد سقوطه بأنه أصبح “قطعة جبن مليئة بالثقوب”. هذه الكلمات وحدها تختصر حجم المفاجأة والصدمة التي عاشتها إسرائيل.

خط بارليف لم يكن مجرد سواتر ترابية، بل كان منظومة دفاعية متكاملة: نقاط حصينة، أنابيب نابالم، دبابات مدفونة، وحصون تحت الأرض. بناه الإسرائيليون على مدى سنوات، ووضعوا فيه ثقتهم المطلقة. لكن العقل العسكري المصري تعامل معه بذكاء مختلف. فبدلاً من محاولة اختراق السواتر الترابية بالمتفجرات، استخدمت القوات المصرية مضخات المياه المدنية القوية لإذابة التراب وفتح الثغرات، ثم دفعت بالمشاة والدبابات عبر الجسور العائمة في تدفق منظم.

ولم تكن الخطة مجرد عبور، بل كانت خداع استراتيجي محكم. فالمصريون أقنعوا إسرائيل طوال أشهر بأنهم غير جاهزين للحرب، واختاروا يوم 6 أكتوبر لأنه صادف يوم الغفران عند اليهود. وحين بدأت المعركة، كانت الضربة الأولى كاسحة: طائرات ومدفعية دمرت التحصينات، ومشاة عبرت السواتر، وعلم مصر رُفع على الضفة الشرقية في مشهد لم ينسه أحد.

ما فعله المصريون في أكتوبر لم يكن شجاعة فقط، بل كان عبقرية تكتيكية تُدرَّس حتى اليوم في الأكاديميات العسكرية العالمية. فمن أصغر جندي يعبر القناة إلى أكبر قائد في غرفة العمليات، كان الهدف واحداً: العبور، واستعادة الأرض، وتحقيق النصر. لم يكن هناك تردد ولا خلاف على الهدف، بل إرادة جماعية جعلت المستحيل واقعاً.

ووصف المؤرخ العسكري الأمريكي ت. دوبوي عملية العبور بأنها “أعظم منجزات الحرب”، بينما قال الضابط البريطاني فارار هاوكلي إن ما حققه المصريون هو “عبقرية ومهارة” بكل ما تعنيه الكلمة. هذه الشهادات من أعداء وحياديين تؤكد أن أكتوبر لم يكن نصراً عربياً فحسب، بل كان درساً عسكرياً غير وجه التاريخ.

وهكذا، تحوّل خط بارليف من رمز للتفوق الإسرائيلي إلى رمز للانهيار، ومن حصن لا يُقهر إلى “قطعة جبن مليئة بالثقوب”. وبقيت كلمات جولدا مائير شاهداً على نصر مصري خالد، ما زال يُروى ويُدرَّس جيلاً بعد جيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.