سامح هليل يكتب | بين الكهرباء والبيانات
في أحد مقالات هذه السلسلة، طرحنا سؤالًا ربما بدا وقتها غريبًا: هل تصبح الكهرباء
أهم من البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي؟
اليوم، يبدو أن السؤال يحتاج إلى خطوة أخرى.
ماذا لو لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تكنولوجيا جديدة نستخدمها في الهاتف أو البنك
أو المدرسة؟
ماذا لو تحول إلى مورد استراتيجي تتنافس الدول والشركات على امتلاكه، تمامًا كما
تنافست أجيال سابقة على النفط والغاز ومصادر الطاقة؟
وهنا يظهر السؤال الأكثر جرأة: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي أغلى من النفط؟
الإجابة ليست أن للذكاء الاصطناعي «سعر برميل» يمكن مقارنته بسعر النفط. المقارنة
الحقيقية أعمق من ذلك بكثير: أيّهما يمكن أن يصبح أكثر تأثيرًا في تحديد قوة الاقتصاد
والدولة وموقعها في النظام العالمي؟
من «البيانات هي النفط الجديد» إلى شيء أكبر
لسنوات، ترددت عبارة شهيرة: «البيانات هي النفط الجديد».
لكن التطورات الأخيرة تجعل هذه العبارة تبدو غير مكتملة.
فالبيانات وحدها لا تكفي.
تحتاج إلى رقائق متقدمة، ومراكز بيانات، وشبكات، وتبريد، وكميات ضخمة من الكهرباء،
ونماذج ذكاء اصطناعي، ومهارات بشرية قادرة على تحويل كل ذلك إلى قيمة اقتصادية.
أي أننا أمام منظومة كاملة يمكن أن نسميها ببساطة: اقتصاد الحوسبة.
وهنا بدأت الأرقام تكشف حجم التحول.
وفق أحدث تحليلات وكالة الطاقة الدولية، تجاوز الاستثمار في مراكز البيانات عالميًا 580
مليار دولار في 2025، مقابل نحو 540 مليار دولار استثمارات في إمدادات النفط عالميًا
خلال العام نفسه. وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح بالفعل «أغلى من النفط»،
لكنه يكشف أن البنية التحتية الرقمية أصبحت تدخل منطقة كانت حتى وقت قريب حكرًا
على قطاعات الطاقة التقليدية من حيث ضخامة الاستثمار.
والأكثر إثارة أن السباق لم يعد سباق شركات تكنولوجيا فقط إنه سباق على الأرض
والطاقة والمياه والرقائق والشبكات ورأس المال.
الذكاء الاصطناعي يستهلك الطاقة… لكنه يعيد تعريف قيمة الطاقة
المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، الذي قد يبدو كأنه صناعة رقمية لا علاقة لها بالعالم
المادي، أصبح يعتمد بصورة متزايدة على أشياء شديدة الواقعية: الكهرباء والمباني
والتبريد وشبكات النقل.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بلغ نحو 415
تيراواط/ساعة في 2024، أي قرابة 1.5% من استهلاك الكهرباء العالمي، مع توقعات بأن
يتجاوز 950 تيراواط/ساعة بحلول 2030 في السيناريو الأساسي. كما أن استهلاك
مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي ينمو بوتيرة أسرع من إجمالي مراكز
البيانات.
وهنا تحدث مفارقة اقتصادية مهمة: الذكاء الاصطناعي لا يلغي أهمية الطاقة… بل
يزيدها.
فالاقتصاد الرقمي الذي كنا نظنه اقتصادًا «خفيفًا» أصبح يحتاج إلى بنية تحتية مادية
ضخمة.
ولهذا بدأت مراكز البيانات تدخل في حسابات الطاقة الوطنية، وأصبح الحصول على
الكهرباء الموثوقة والسريعة عاملًا في تحديد المكان الذي يمكن أن تستقر فيه استثمارات
الذكاء الاصطناعي.
بمعنى آخر: في عصر الذكاء الاصطناعي، قد تصبح الكهرباء نفسها جزءًا من القدرة
التنافسية التكنولوجية للدولة.
ولكن أين تكمن القيمة الحقيقية؟
هنا نصل إلى الجزء الأهم.
النفط سلعة يمكن استخراجها وبيعها.
أما الذكاء الاصطناعي فهو قدرة إنتاجية يمكن أن تدخل في كل القطاعات تقريبًا.
يمكن أن يزيد إنتاجية مصنع، ويساعد بنكًا على إدارة المخاطر، ويطور اكتشافات دوائية،
ويحسن شبكات الكهرباء، ويخفض تكلفة الخدمات، ويسرّع البحث العلمي، ويخلق
شركات لم تكن ممكنة من قبل.
وهذا يجعل قيمته مختلفة عن قيمة مورد طبيعي.
قد يكون النفط مصدرًا للطاقة، لكن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة لرفع إنتاجية
رأس المال والعمل والمعرفة في الوقت نفسه.
ولهذا تقدر بعض التحليلات أن سباق البنية التحتية للحوسبة سيحتاج إلى استثمارات
هائلة خلال السنوات المقبلة؛ إذ تتوقع McKinsey أن تصل احتياجات الإنفاق الرأسمالي
المرتبطة بقدرات الحوسبة ومراكز البيانات إلى نحو 6.7 تريليون دولار عالميًا حتى 2030
لتلبية الطلب المتوقع.
إذن نحن لا نتحدث عن تطبيق جديد على الهاتف.
نحن نتحدث عن طبقة جديدة من البنية التحتية للاقتصاد العالمي.
النفط له «احتياطي»… فماذا نحتاج لامتلاك الذكاء الاصطناعي؟
هنا تظهر واحدة من أهم الفروق.
الدولة التي تريد الاستفادة من النفط تحتاج إلى احتياطيات أو قدرة على الوصول إلى
الأسواق ومصادر الإمداد أما الدولة التي تريد أن تصبح قوة في الذكاء الاصطناعي،
فتحتاج إلى شيء أكثر تعقيدًا:
رقائق متقدمة ،طاقة موثوقة ورخيصة نسبيًا ،مراكز بيانات ،اتصالات قوية ،بيانات ،باحثو
،مهندسون ،شركات ناشئة ،رأس مال ،نظام تعليمي قادر على إنتاج المهارات الجديدة.
أي أن «ثروة الذكاء الاصطناعي» ليست موجودة في باطن الأرض.
إنها تُبنى.
وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة للدول النامية.
ففي عالم النفط، تحتاج إلى مورد طبيعي استثنائي حتى تدخل نادي كبار المنتجين.
أما في عالم الذكاء الاصطناعي، فهناك مساحات أكبر لبناء الميزة من خلال الموقع، والبنية
التحتية، والمهارات، والطاقة، والبيانات، والسوق.
ومن هنا تبدأ المنافسة الحقيقية
الصراع القادم قد لا يكون فقط على من يملك أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي.
قد يكون على سؤال أبسط وأكثر واقعية:
من يستطيع تشغيل هذه النماذج على نطاق واسع؟
فالنموذج مهما كان ذكيًا يحتاج إلى حوسبة.
والحوسبة تحتاج إلى رقائق.
والرقائق تحتاج إلى مصانع وسلاسل إمداد.
ومراكز البيانات تحتاج إلى كهرباء وتبريد واتصالات.
والاقتصاد يحتاج إلى أشخاص يعرفون كيف يحولون كل هذه الإمكانات إلى منتجات
وخدمات.
وهكذا تصبح القوة موزعة على سلسلة كاملة.
ولهذا تصف تحليلات McKinsey قدرة الحوسبة بأنها من أهم الموارد التي تتشكل حولها
المنافسة في هذا العقد، مع تدفقات استثمارية ضخمة إلى مراكز البيانات والطاقة
والرقائق.
المورد الجديد إذن ليس «الذكاء الاصطناعي» وحده… وإنما القدرة على امتلاك منظومته
وتشغيلها.
وماذا يعني ذلك لمصر؟
هنا يتحول السؤال من تحليل عالمي إلى سؤال مصري مباشر:
هل نريد أن نكون مستخدمين للذكاء الاصطناعي… أم جزءًا من البنية الاقتصادية التي
ستقوم عليه؟
الإجابة ليست نظرية.
الاستراتيجية الوطنية المصرية للذكاء الاصطناعي 2025–2030 تضع ضمن محاورها
بناء بنية تحتية قوية وقابلة للتوسع، والحوسبة السحابية، والبيانات، والمهارات، ودعم
الشركات الناشئة، كما تتضمن خططًا لمراكز بيانات محلية، وموارد GPU، وحوسبة
خضراء، وربط البنية التحتية بالطاقة المتجددة.
كما أن الحكومة المصرية أعلنت اهتمامًا متزايدًا بجذب استثمارات مراكز البيانات
والحوسبة السحابية، مستفيدة من البنية التحتية والموقع الجغرافي لمصر.
وهنا أرى أن النقاش المصري يجب ألا يتوقف عند سؤال: «كم شركة AI ستنشأ في
مصر؟»
بل يجب أن نطرح أسئلة أكبر: هل يمكن أن تصبح مصر مركزًا إقليميًا للحوسبة
والخدمات الرقمية؟
هل يمكن أن تتحول الطاقة الشمسية والموقع الجغرافي وشبكات الاتصالات إلى عناصر
جذب لمراكز البيانات؟
هل يمكن أن نصدر خدمات ذكاء اصطناعي إلى أفريقيا والعالم العربي بدلًا من استيراد
التكنولوجيا فقط؟
وهل نستطيع أن نبني قاعدة بشرية تجعل مصر جزءًا من سلسلة القيمة، وليس مجرد
سوق لاستهلاك منتجات الآخرين؟
النفط كان يصنع القوة… فهل ستصنع الحوسبة القوة الجديدة؟
على مدار القرن الماضي، ساهم النفط في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والاقتصاد
العالمي.
الدول التي امتلكت موارد الطاقة امتلكت ورقة تفاوضية مهمة.
لكن العالم يتغير.
اليوم، هناك دول تتنافس على الرقائق، وأخرى على مراكز البيانات، وأخرى على الطاقة
اللازمة لتشغيلها، وشركات تدفع مليارات الدولارات للحصول على قدرات حوسبة إضافية.
واللافت أن هذا السباق بدأ يغيّر حتى حركة الاستثمار العالمي؛ فقد أصبحت مراكز
البيانات وأشباه الموصلات من أبرز مجالات الاستثمار الجديدة، مع ارتفاع كبير في
الاستثمارات المعلنة عبر الحدود في هذه القطاعات.
لذلك ربما يكون السؤال الصحيح ليس: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل النفط؟
بل: هل نحن أمام مورد استراتيجي جديد سيعيد توزيع القوة الاقتصادية كما فعل النفط
من قبل؟
قد لا يصبح الذكاء الاصطناعي «أغلى من النفط» بالمعنى الحرفي.
وقد يظل النفط لعقود قادمة عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد العالمي.
لكن هناك حقيقة يصعب تجاهلها:
الاقتصاد الذي سيقود المستقبل لن يحتاج فقط إلى النفط والغاز والكهرباء… بل إلى
القدرة على تحويل الكهرباء والرقائق والبيانات إلى ذكاء وحوسبة وإنتاجية.
وهنا تتغير قواعد اللعبة.
ففي القرن العشرين كان السؤال: من يملك الطاقة؟
وفي القرن الحادي والعشرين قد يصبح السؤال: من يملك القدرة على تحويل الطاقة
والبيانات والحوسبة إلى قيمة؟
وربما تكون هذه هي الثروة الجديدة التي تستحق أن نتنافس عليها.
فإذا كان النفط قد صنع جزءًا كبيرًا من قوة العالم القديم… فهل يصنع الذكاء
الاصطناعي جزءًا من قوة العالم الجديد؟