أحمد صابر يكتب | المعركة الصينية الأمريكية على فيلم “Fight Club”

0

قبل أن نتحدث عن الجدل الدائر في الأوساط الإعلامية حول فيلم “Fight Club”، علينا أن نوضح أن المعارك بين الولايات المتحدة والصين لا تقتصر على بحر الصين الجنوبي، وسط آسيا، التعريفات الجمركية، أشباه الموصلات، صناعة التكنولوجيا، دبلوماسية اللقاحات، أو ساحات النفوذ في إفريقيا، بل تجاوز الصراع كل هذه المناطق ليصل إلى وسائل الإعلام وصناعة الأفلام.
هل يتذكر أحد منا الصراع حول “تيك توك”، هذا التطبيق الذي بدأ تحت مسمى ” Musical. Ly” قبل أن تستحوذ عليه شركة بايت دانس الصينية، في صفقة استحواذ جعلت ترامب يعلن بشكل واضح أن الصين لديها أغراض تجسس عبر استخدام قواعد بيانات ملايين المواطنين الأمريكيين المستخدمين للتطبيق، أصبح التطبيق بما عليه تابع لشركة صينية عام ٢٠١٧، وبالفعل لدى الشركة القدرة على جمع وتحليل البيانات للمشتركين كما تفعل بقية الشركات.

سبقت تلك الخطوة قرار حظر السلطات الصينية لتطبيق ال واتساب الذي يعتبر إحدى تطبيقات ال microblogging والتي لديها القدرة على أداء مهام سياسية تدار من الخارج، واستبداله بتطبيق وطني يسهل التحكم فيه بشكل أكبر.

الأمر ليس مبالغة، حيث أنه في عام ٢٠٠٩، أجبرت الولايات المتحدة الأمريكية شركة واتس اب على تأجيل التحديثات في التطبيق والتي كان من المفترض إجراؤها في ذلك الوقت، لوجود مظاهرات واضطرابات سياسية في شوارع إيران، وكان يعتقد بأن هذه المظاهرات تدار وتنظم عبر التطبيقات مثل ال واتس اب، وبالتالي فإن الولايات المتحدة لديها القدرة على استخدام هذه الأدوات دائمًا وممارسة الضغط السياسي على دول أخرى.

من ناحية أخرى أثبتت هذه الأدوات الإعلامية كونها أسلحة سياسية في ما يسمى بالربيع العربي، وهو الأمر الذي ارتعدت الصين من حدوثه في ثورة ال Jasmine التي كادت أن تشتعل عام ٢٠١٢ بالقرب من ميدان تيانيمين بالصين عقب انتشار حادثة فساد حكومية، كانت إحدى محركات هذه المظاهرات تلك التطبيقات، ولولا الرقابة الصينية كان من الممكن أن تتفجر صراعات كبيرة.
بسبب تلك المنصات ووجود رموز ليبرالية معارضة تبث الأفكار عليها وتنقلها لملايين المواطنين، بالإضافة إلى سياسات الانفتاح الذي أعطت قدر من الحرية للعديد من تلك المنصات، تخشى الصين انتشار مزيد من الأفكار الليبرالية التي تؤدي مع الوقت لخلخلة القيم المجتمعية والسياسية هناك، مما دفعها إلى مزيد من التركيز على وسائل الإعلام والأفلام أيضًا.

فيلم واحد بنسخة أمريكية وواحدة صينية.. حرب ال ” Fight Club”.

لم تكتف الصين بسياسات الرقابة والمنع التي تفشل أحيانًا لوجد العديد من الحلول التكنولوجية للهروب من تلك الرقابة، وإنما أصبحت تستخدم رقابة ناعمة عبر التدخل والتعديل في الأفلام ذاتها لتعديل الرسالة بما يتماشى مع سياسات الدولة هناك.

هذه الأيام يزداد الجدل حول تغيير الصين لنهاية الفيلم الأمريكي المشهور “Fight Club”، للممثلين براد بيت وإدوارد نورتون، الفيلم نهايته منذ عام ١٩٩٠ عبارة عن نجاح المؤامرة وتفجير العديد من المباني، لكن الصين غيرت هذه النهاية، لتكتب الجمل الآتية : لقد تمكنت الشرطة في البلاد من التغلب على المؤامرة ومنع انفجار القنبلة والقبض على المجرمين وإيداعهم في السجن.
انتقدت منظمة ال Human Right Watch الأمريكية ما فعلته السلطات الصينية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، من تغيير لمحتوى الفيلم، ورغم أن القضية تبدو تافهة للجميع أو مضحكة، إلا أنه بالنسبة لي إدراك حقيقي لخطورة صناعة الإعلام والسينما على المستوى الدولي، وسعي نحو رفض عولمة القيم والهيمنة الثقافية.

ما أريد أن أقوله أن الإعلام والسينما أصبحا أسلحة دولية أخطر من أن تترك بلا رقابة أو متابعة، وعلينا أن نتهيأ لدور أكثر خطورة لهذه الوسائل خلال السنوات القادمة.

وبما أننا وبكل أسف لم نشارك حتى هذه اللحظة في صناعة إعلام مضاد يهدف للحفاظ على منظومة القيم السياسية للمنطقة العربية والإفريقية ويخدم مصالحنا، وتركنا اللعبة لدول أخرى، فعلى الأقل علينا حماية تماسك جبهتنا الداخلية عبر رفض أي محاولات لفرض قيم وسياسات غربية علينا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.