أسعد أمارة يكتب | الصحة النفسية .. الجمع بين المتناقضات

0

الإنسان كتلة من المشاعر والانفعالات وردود الأفعال غير المنضبطة في مواقف الحياة المتنوعة وهي بحد ذاتها تشكل ضغوطاً مختلفة، وأساليب التعامل معها يحتاج التوقف قليلا عندها لمعرفة أفضل وأحسن ما يناسب تلك الشخصية أو هذه التي تستطيع ان تتحور ولنقل تؤدي الأدوار مع المواقف ثم اللجوء إلى هذا الأسلوب أو تلك الحيلة”الميكانزم” لغرض على الأقل تخفيف شدة الأزمة أو الضغط وحسب نوعه ..هل هو ضغط اقتصادي أم ضغط مهني أو ضغط دراسي أو ضغط عاطفي وربما ضغط سياسي ..الخ من الضغوط،ولكن يمكن القول أن اشد تلك الضغوط هي ضغوط الأسرة وخصوصا الضغوط الناجمة من الاختلافات الزوجية أو من الزوجة . ان الصحة النفسية كما يقول أطباء النفس وعلماؤها هي جماع بين التكيف والتطور وبين التقبل والرفض. الصحة النفسية أيضا هي القدرة على الحب والعمل”الحب بشقيه الجنسي والحنون” الصحة النفسية كما يراها د.عباس محمود عوض بأنها حالة دينامية تبدو في قدرة الفرد على التوافق المرن الذي يناسب الموقف الذي يمر به أو يخبره. وترى الدراسات النفسية ان الفرد الصحيح نفسياً هو الشخص الذي يعي دوافع سلوكه، ويؤثر في البيئة المحيطة به بفاعلية وتفاعل، لديه القدرة على توجيه المثيرات المختلفة في واقعه مع الآخرين ويمكننا القول، ان الفرد السليم نفسياً هو الذي يمكنه الاستجابة بطريقة تكيفيه حينما تواجهه مواقف حياتية تستدعي ذلك كما عبر عنه د. مصطفى الشرقاوي..ويضيف الشرقاوي أيضا بقوله: الفرد الخالي من المرض النفسي هو الشخص الذي لا تصدر عنه استجابات عصابية أو ذهانية ظاهرة نتيجة لاتخاذه موقف الهامشية، الشخص الذي لا يتمتع بالصحة النفسية هو الشخص الذي لا يستطيع ان يواجه المواقف التفاعلية بأي صورة من الصور الحياتية المختلفة ومواقفها وضغوطها.
عندما لا يمتلك الإنسان نفسه؟ هل تأمل أي منا نفسه وفيمن حوله من البشر والأشياء قليلا وأصابته الحيرة من سلوك وتصرف هذا أو ذلك الذي وصف أكثر من مرة بأنه إنسان خير وطيب ومستور مع نفسه وأهله ولكنه فعل فعلة شنيعة لا يرضاها الناس ولا الدين ولا الضمير؟ هل شاركت الآخرين في موضوعهم عن تصرفات هذا الرجل الذي لم يمتلك نفسه وترك الحبل على الغارب في بيته أولا ثم انزوى بعيدا أما لمعاقرة الخمر أو العقاقير المنومة والمهدئة وعقاقير الهلوسة أو الذهاب مع مجموعات ربما تكون انتحارية أو متطرفة وشاركها الجهاد أو القتال ضد الأبرياء ، إنه يحاول الانتقام لنفسه من الناس لأنه يعتقد أنهم سبب بلواه وعدم قدرته على ان يمتلك نفسه ويسيطر على مجريات الأمور في آسرته ونسى ان التغير أمر لابد منه ولكنه لم يستطع مجاراته!!
انه التغيير في السلوك والتصرفات والأفعال والتعامل والألفاظ وحركات الجسد والملبس والموضة وحتى ألوان الملابس وموديلات السيارات وكذلك الحال في سلوك البشر كأفراد وسلوكهم الجمعي إزاء ظاهرة ما كقبول ما لا يقبل قبل عقد من الزمان ولكن قُبلَ اليوم وأصبح سلوكاً عادياً..
سبحان الله ..الغريب بعد كل هذا ان الفرد الذي يتغير ويتلون بكل هذه الطرق والإشكال والموديلات والموضات يظل هو نفسه من حيث هيكله العظمي وجلده وملابسه..إذن ما الذي يتغير بداخله؟ كيف أصبح الفعل الخطأ قبل عشرين عاما صحيحاً اليوم ؟ هل هي تغيرات قسرية أم تغيرات طبيعية في سياق المجتمع؟ وانعكست على الفرد وسلوكه.. اذا لم يستطع ان يتماشى مع الواقع وفقد ميزان الصحة النفسية، أي بمعنى أدق فقد اتزانه الداخلي وتكيفه مع الواقع حينئذ نطلق عليه عدم تمتعه بالصحة النفسية واقرب إلى حالة اللاسواء وهو الاضطراب. إذن من هو العاقل ومن هو المجنون فينا؟ تلك موضوعات تحتاج إلى شرح مفصل ومطول لسنا بصددها، ولكن نحن بصدد موضوعنا الأساس وهو الصحة النفسية لدى الفرد وقدرته على الجمع بين الأضداد داخل الفرد نفسه ومع أسرته ومع المجتمع الأوسع. ترى الدراسات النفسية المتخصصة ان مفتاح التحول والتنقل إراديا وبسلاسة يمر عبر قبول الرأي الآخر وقبول الآخر حتى وإن كان مختلفاً معي في الرأي أو الفكر، هذه القدرة تعد مفتاح لكل شخصية ناجحة ومفتاح التحول والتنقل الإرادي والذي يكمن في الفرد نفسه ويحتاج إلى تنمية هذه القدرة بالممارسة وبإمكانك عزيزنا القارئ الكريم ان تفعل هذا في كل موقف حياتي إذا قررت من خلال ذات البالغ العاقل الواعي، بإمكانك ان تجعل الطاقة النفسية تنساب بسهولة بين حالات المرونة مبتعداً عن الذات الجامدة.. لدى بعض الأشخاص مشكلة في عملية التحويل والتغير وقبول الرأي الآخر وبالتالي من الصعب الجمع بين الأضداد في إطار واحد. يقول بيير داكو أن الحياة الجارية تتطلب آلافاً من ضروب التكيف فثمة سائر الظروف الجديدة من أي نوع كانت والأحداث غير المتوقعة والمسؤوليات الجديدة والصدمات القاسية والإخفاقات والانفعالات ..الخ ،ماذا يفعل الإنسان السوي؟ إنه يدمج سائر الظروف فيهضمها ولنقل ليبتلع مرها نفسياً وتنصهر في أناة مندمجة بصورة متناغمة في شخصيته العامة وأسلوب تعامله وطريقة تفكيره حتى وإن قًست عليه الحياة، فوجدانية الإنسان السوي شبيهة بمستودع تنصهر فيه جميع الأحداث كما تنصهر الأطعمة في المعدة بدون أي خلل. أما الشخص الذي تنقصه المرونة ممثلة في الصحة النفسية فإنه لا يهضم الحدث نفسياً ولا تتمثله أناه ويبقى الظرف خارج هذه الأنا يعمل لحسابه الخاص وخارج منظومة السيطرة النفسية مكونا بذلك عدة توابع نفسية لا تستطيع الاندماج مع الذات فتشكل ضروبا من التناقض داخل الذات ويسبب له ذلك أعراضا بعدة صور منها الكبت والانفعالات التي لم يستطيع تصفيتها وتنقية النفس فيفقد الصحة النفسية وميزانها في الجمع بين الأضداد فتظهر عندئذ تشكيلة واسعة من الأعراض تتدرج من الانزعاج السريع إلى الاختلال المعنوي ثم إلى الوساوس بأنواعها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.