أمينة النقاش تكتب | الموهوب أسامة عباس

0

منذ بدء ظهوره على الشاشة الصغيرة، وربما من قبل مسلسل أبنائى الأعزاء شكرًا، مرورا بمسلسلات بينها رحلة أبو العلا البشرى ورأفت الهجان ودموع فى عيون وقحة وأوبرا عايدة وسابع جار، وغيرها ، وصولا إلى مسلسل عوالم خفية ، لفت الفنان أسامة عباس النظر إلى موهبته الفريدة المتجددة . وبرغم أنه لم يحصل أبدا طوال رحلته الفنية الثرية على البطولة المطلقة ، ولم ينل أوسمة أهل المهرجانات من القاهرة إلى الأسكندرية ومن أسوان لشرم الشيخ ،لكنه نجح مع ذلك فى أن يحجز لنفسة مكانة متميزة فى الدراما التليفزيونية والسينمائية . وبات أداؤه الدرامى الذى يمزج بين الدعابة والحزن ، يكتسب ملامح خاصة لاتشبه غيره . سوف يسأل سائل : وما هى إيه المناسبة ؟ وأجيب: المناسبة هى الحث على إسداء قدر من المحبة والتقدير والأمتنان لمن أسعدونا ولونوا حياتنا بلحظات من البهجة والانبساط والسرور ، قبل أن يفوت الأوان .

المناسبة ،أن صدفة طيبة قادتنى لمشاهدة جديدة ، لواحد من كلاسيكيات الدراما التليفزيونية فى عصرها الذهبى ،هو مسلسل ” بوابة الحلوانى ” الذى كتبه فى تسعينيات القرن الماضى ” محفوظ عبد الرحمن ” وأخرجه مبدع أخر هو ” إبراهيم الصحن ” . لكن القناة الفضائية المصرية أذاعت الجزء الأول من المسلسل الذى بدأ عرضه عام 1992، وبخلت علينا دون إعلان أو تنبيه ، بمواصلة بث أجزائه الثلاثة الأخرى ،التى انتهت فى العام 2001 ،فلجأت إلى اليوتيوب لمشاهدتهم ، ولأكتشف ما لم أتبينه ،فى المشاهدة الأولى له .
فالمسلسل يروى جزءا من سيرة الخديو إسماعيل ، الذى حكم مصر فى الفترة من 1863وحتى 1879 ، وسعى بالإنجازات التى أدخلها لتطوير العمران والأوضاع الاقتصادية واالإدارية والتعليمية و إدارة الحكم ،أن يواصل مشروع جده “محمد على “فى تحديث مصر ، وتحقيق حلمه الخاص ، الذى عاقته الدول الاستعمارية ، بتحويلها إلى قطعة من أوروبا .

المسلسل ينصف جزءا من تاريخ الأسرة العلوية ، الذى همشته ثورة يوليو واهالت عليه التراب. ولعله يكون من الإنصاف الدعوة الآن لتشكيل لجنة من الدراسين والباحثين والمؤرخين ممن يتحلون بالحيدة العلمية و النزاهة الفكرية لإعادة كتابة تاريخ تلك الأسرة ، بعيدا عن المقتضيات التى تفرضها السياسة ، وتمليها الانتماءات الأيديولوجية .

وبرغم النعومة والحضور الآخاذ لأداء دور الخديو إسماعيل الذى قام به الفنان الراحل “محمد وفيق “، ففى ظنى أن بطل المسلسل الحقيقى هوأسامة عباس الذى جسد دور إسماعيل باشا المفتش ، شقيق الخديو فى الرضاعة وجدير بثقته ، وأحد أذرع قوة حكمه. فضلا عن تقلده مناصب عدة فى عهده ، بينها وزرتا المالية والداخلية . و حول شخصيته الاستبدادية، تدور معظم الشخصيات الأخرى فى المسلسل، وتتشابك مصائرها مع أدواره ووجوده ، و وتتقاطع بعض مع مصالحه .وبهذه الشخصية ، قدم أسامة عباس واحدا من أبدع أدواره الفنية ، التى تنطوى على درس بليغ فى فن الأداء التمثيلى لمن يريد تعلمه . حيث طاف بنا عبر طبقات صوته ، التى تمزج السخرية بالقسوة والحنان، وقسمات وجهه المتلونة بين الدهشة والغضب ونظرات عيبنه الحادتين ، وحراك جسده و إشارات يديه ،للتعبير عن لحظات ضعفه وقوته وحبه المستحيل للأميرة أشرقت سليلة السلطنة العثمانية ، وأوقات توحشه وعنفه مع منافسيه ومعارضيه ، وفترات رسمه للدسائس والمؤمرات داخل القصور الخديوية وخارجها .مشاهد ساخنة وباردة وتنقلات انفاعلية متناقضة ، تظهر لنا قدرة اسامة عباس التمثيلية الهائلة ، المسلحة بروح مترعة بالجراة وانطلاق الخيال .وفى كل مشهد من المسلسل الذى امتد 95 حلقة ، يتأكد لنا ،أننا أمام موهبة فذة من الحجم الثقيل، ذات حضور خاص لا اصطناع فيها ، تزخر بطاقات تمثيلية لا حدود لتألقها وتنوعها وبريقها.

كان “سمير سيف” يتحدث عن سر من أسرار النجاح فيقول :إن تحقيق أفضل النتائج يتطلب قدرا كبيرا من الإصرار . فهو سر الإنجاز والنجاح، وليس الحظ أو المصادفة ، أو حتى الموهبة الساطعة .لأن أى موهبة لا يصاحبها الاصرار على الإتقان ، تبيقى بلا قيمة فعلية ..وكأن المخرج الكبير يصف لى ولكم رحلة الفنان أسامة عباس الإبداعية الثرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.