إيمان الشعراوي تكتب | تحديات المجتمع المدني الأفريقي

0 291

يعتبر مفهوم المجتمع المدني الأفريقي من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الأوساط الثقافية والسياسية الإفريقية، فبين من يراه أنه نتاج حضارة غريبة خالصة، يعتقد الآخرون أن إفريقيا وُجد بها المجتمع المدني منذ عقود، وكان له دور بارز في مواجهة استعمار الدول الإفريقية من قبل الدول الغربية، إلا أنه مع ذلك هناك إجماع أن العناصر المشتركة في خطاب المجتمع المدني الإفريقي تتمثل في نقد هيمنة الدولة على الحياة العامة، وتفضيل الإصلاح على الثورة، وتبني استراتيجية التغيير السياسي على أساس المفاوضات والانتخابات.

دور مهم لعبه المجتمع المدني بإفريقيا في مواجهة الاستعمار، كما أنه مع بدء موجة التحولات الديمقراطية في أواخر الثمانينيات، بدأ مصطلح المجتمع المدني ينتشر بشكل أكبر في إفريقيا، وتم الاعتراف بدوره في نزع السلاح، وتنظيم الانتخابات في تقرير البنك الدولي عام 1989م، فضلًا عن اعتباره أحد العوامل المحركة للتحول إلى الديمقراطية بالتعاون مع الأحزاب السياسية وإزاحة نظام الحزب الواحد وتبني التعددية الحزبية في التسعينات في إطار الموجة الثالثة للديمقراطية.

في دولة بنين تظاهر موظفو الخدمة المدنية والمعلمون والتجار للمطالبة بوضع حد للاستبداد السياسي وسوء الإدارة الاقتصادية، وفي زامبيا نجح مؤتمر النقابات العمالية ورئيسه “فريدريك تشيلوبا” في تحدي تولي الرئيس كينيث كاوندا كما طالبو بالديمقراطية، ولمدة ثلاثة عقود كان النشاط النقابي محوريًا أيضًا في مالي والنيجر، وفي غانا وتوجو، كان روابط الطبقة الوسطي للمحامين وأساتذة الجامعات والطلاب نشطة للغاية في خدمة التحول الديمقراطي، كانت الاحتجاجات الطلابية ضد سوء الإدارة الاقتصادية والأزمات الاقتصادية المصاحبة لها في بنين ومالي وأماكن أخري مهمة في تمهيد الطريق للنشاط مؤيد للديمقراطية في تلك الدول.
في كينيا كان المجلس الوطني للكنائس في طليعة معارضة الرئيس “دانيال أراب موي” وانتقاد عدم وجود تبني التعددية الحزبية، وفي مالاوي كانت الرسالة الرعوية التي صدرت عام 1992 من أساقفة كاثوليك، تنتقد صراحة القمع السياسي وسوء إدارة الحكومة للاقتصاد، حدثًا بارزًا في دولة لطالما كان معقلًا للحكم الاستبدادي، كما حاربت الجماعات المسيحية والمؤتمرات الأسقفية في غانا ونيجيريا وزامبيا بنشاط الاستبداد ودعمت التحول الديمقراطي في دولهم. مع ذلك تميز المجتمع المدني في أفريقيا بعدة مميزات خاصة ما يتعلق بالجمعيات القائمة على الارتباطات البدائية للقبيلة والعشيرة (نتيجة طبيعية للطرق التي تم بها هيكلة المجتمعات الأفريقية) وتلك العلاقات المتداخلة والقائمة حولها، حيث تشكل المجموعات العرقية مكونًا رئيسيًا للمجتمع المدني الأفريقي، وذلك على الرغم من عدم التزامهم بالمعايير الديمقراطية بالمعني الغربي، إلا أنهم يتمتعون بدرجة معينة من الاستقلال عن الدولة، ويوفرون وسائل للمشاركة السياسية والمساءلة، ومن الممكن حشد العديد من مؤيديهم لتحقيق أهداف سياسية معينة، وعلى سبيل المثال تقدم المجتمعات الصوفية في السنغال مطالبات الجماهير للحكومة، وفي المقابل، تعتمد الدولة عليها في الحصول على الدعم السياسي في المناطق الريفية، ففي بعض الحالات يمكن اعتبار السلطات التقليدية، مثل مجالس الحكماء في كينيا والصومال جزءًا من المجتمع المدني في مواجهة الدولة الحديثة.

في العديد من المناطق الأخرى في إفريقيا، يقوم المجتمع المدني بالانخراط في العمل الخيري وتقديم المساعدات الغذائية في المناطق المتضررة من الصراعات، وتلبية الاحتياجات المجتمعية المحلية مثل الدعوة للتبرع لبناء المستشفيات وبناء المدارس ومراكز الرعاية الصحية.

من المؤكد أن هناك مجتمعًا مدنيًا أفريقيًا يسعي إلى تعزيز حقوق ومصالح المواطنين وحمايتهم، ولكن هناك العديد من التحديات التي تواجهه تتمثل في الافتقار إلى الموارد وضعف الإمكانات المالية بالشكل الذي يعرقل قيامه بدور فعال في خدمة الدول الإفريقية، ولعل أبرز مثال على تلك المراكز البحثية المتخصصة التي تعاني من ضعف التمويل وذلك على الرغم من أهميتها في عمليات صنع القرار وتقديم الدراسات البحثية المتخصصة في قضايا محورية بشكل علمي، وإساءة استخدام مفهوم المجتمع المدني من قبل البعض لأغراض سياسية والتدخل في شؤون الدول الإفريقية، وممارسة العمل السياسي الذي يتنافى مع طبيعة المجتمع المدني.

إن التمويل الأجنبي الذي تتلقاه بعض منظمات المجتمع المدني في كثير من الأحيان يفقدها استقلاليتها تجاه الدولة من جهة، وتجاه سياسات الدول أو المنظمات المانحة من جهة أخري، ولا يزال مصطلح المجتمع المدني يواجه مشكلة استيعابية سواء من قبل المواطنين أنفسهم الذين لا يدركون أهميته في التعبير عنهم، وبين السلطة الحاكمة التي تتعامل معه على أنه كيان شكلي لا ينبغي أن يمارس دورا كبيرا، فضلًا عن وجود تداخل بين مؤسسات المجتمع المدني وبين الهياكل الإدارية الرسمية، ففي بعض الدول الإفريقية هناك مسئولون كالوزراء وفي نفس الوقت جزء من المجتمع المدني، كما تعاني بعض منظمات المجتمع المدني من الفساد والمحسوبية .

تحتاج البنية القانونية والتشريعية إلى تعديل بما يسهل عمل منظمات المجتمع المدني وإنشائها بمجرد الإخطار ويمنع حلها بقرار إداري من السلطة التنفيذية، ويكون ذلك خاضع لسلطة القضاء، ويكمن التحدي الأكبر في أن بعض المنظمات تُعتبر لافتات على مقرات دون نشاط وعمل حقيقي، وعدم وضوح الرؤية ووجود خارطة للأولويات التنموية تتحرك طبقها، مع تغليب فكرة جمع التبرعات وإنفاقها في شكل هبات وعطايا لا تغير من واقع الفقراء بل تكون سببا أحيانا في احترافهم للتسول والعزوف عن العمل.

ختامًا، يظل المجتمع المدني في أفريقيا ومساهمته في ترسيخ الديمقراطية ضعيفًا على الرغم من الحيوية التي يروج لها كثيرًا للحياة النقابية الإفريقية، كما أن شبكات الاتحادات لا تؤدي إلى إنشاء مجتمعات مدنية كثيفة ومترابطة، لذلك يمكن القول إن المجتمع المدني الأفريقي أكثر تجذرًا وتمثيلًا للمجتمع الأفريقي ككل ولكنه أقل ديمقراطية داخليًا وأقل احتمالًا لدعم الديمقراطية الليبرالية الغربية، ويجب التأكيد على أن وجود مجتمع مدني حقيقي ، مستقل عن الدولة، وقائم على مفاهيم الحضارة والتسامح والإصلاح، سيؤدي إلى اندماج كامل على جميع المستويات الوطنية والإقليمية والقارية.

* إيمان الشعراوي- باحثة في الشؤون الأفريقية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.